مأساة السوريين في النمسا أقسى من خيال غسان كنفاني

29 آب 2015 | 11:03

المصدر: "النهار"

كانت #رواية " رجال في الشمس" (1963) نتيجة لتجربة #غسان_كنفاني الشخصية عندما اضطر أن يظل متخفياً في المنزل لأكثر من شهر بسبب افتقاره للأوراق الرسمية التي تثبت هويته لكونه هو نفسه لاجئ. تجربته تلك نقلها في تفاصيل المشقة لثلاثة فلسطينيين سعوا الى الوصول الى حياة افضل قبل أن يقضوا اختناقا في خزان أحدى الشاحنات.

أبو قيس وأسعد ومروان (ابطال "رجال في الشمس" ) ثلاثة رجال يقررون الهجرة من #فلسطين إلى الكويت بطريقة غير شرعية لرغبتهم في تحسين أوضاعهم المعيشية، ويعرض عليهم شخص آخر (أبو الخيزران) أن يوصلهم من طريق نقلهم معه في شاحنته على أن يختبئوا في خزانها الى حين مرورهم من النقاط الحدودية. وفي النقطة الحدودية الاخيرة تنتهي الرواية حين يموت الرجال الثلاثة اختناقاً لخوفهم من أن يدقوا جدران الخزان.

الثلاثة الساعون الى حياة أفضل عبروا في الاصل عن الامل الفلسطيني الضائع في فترة حرجة من تاريخ نكبة هذا الشعب. وبعد أكثر من نصف قرن على هذه الرواية ثمة شعب آخر يعاني المشقة نفسها وتتحول آماله في حياة أفضل، رحلات يومية الى الموت.

روايات اللجوء الى المنفى وهجرة الوطن كثيرة في أرشيف الكتاب العرب والاوروبين، الا أن قصة كنفاني تعود بقوة الى الذاكرة مع المأساة الفظيعة لسبعين شخصا وجدت جثثهم متحللة ويُفترض أنهم لاجئون هربوا إلى أوروبا.

وكانت الجثث معبأة في شاحنة على بعد كيلومتر واحد تقريبا من فيينا، تركها هناك على ما يبدو تجّار البشر .
الواضح أن الضحايا كانوا هاربين من أتون حرب ، وعلى الارجح الحرب السورية، وكانوا على مسافة قصيرة من محطتهم الاخيرة.ولم يمكن العثور الا أنه على اوراق ثبوتية لشخص واحد ، الامر الذي يصعب تحديد هوياتهم سريعاً أو ما اذا كانوا جميعهم سوريين.

بين الضحايا ال71 ، 59 رجلا وثمانية نساء وأربعة أولاد، هم طفلة عمرها بين سنة أو سنتين وثلاثة فتيان بين الثامنة والعاشرة من العمر.
الشرطة البلغارية اوقفت ثلاثة بلغارـ واحد من اصل لبناني يعتقد أنه صاحب الشاحنة، وأفغاني. واحد منهم ووجهت اليه تهمة الاتجار بالبشر.وسيمثل الاربعة أمام محكمة بلغارية اليوم.

وفي رواية الشرطة البلغارية أن الشاحنة انطلقت من بودابست، عاصمة بلغاريا في وقت مبكر الاربعاء ووصلت الى الحدود قرابة الساعة التاسعة صباحا.وليلا، عبرت الحدود الى النمسا ،ورصدت قرابة الساعة السادسة صباح الخميس مركونة على الطريق السريع بين نويسيدل وبارندورف.
الشرطة النمساوية تقول أن اللاجئين العالقين داخل الشاحنة قضوا على الارجح قبل دخولهم النمسا.ووجدت فتحة كبيرة في الجانب الخلفي للشاحنة.وليس معروفاً ما اذا كان المهربون أحدثوها أو أن اللاجئين حاولوا الهروب منها.
وفيما يتم تشريح الجثث لتحديد سبب الوفاة، الاحتمال الاكبر هو أن يكونوا قضوا اختناقاً.
ويبدو أن اللاجئين سلكوا الطريق الوعر نفسه في غرب البلقان، عبر تركيا واليونان ومقدونيا. فنظراً الى أن الوصول إلى إيطاليا عن طريق ليبيا والبحر الأبيض المتوسط بات أكثر صعوبة وتكلفة، أصبح اللاجئون يتوجهون بشكل متزايد إلى اليونان، في محاولة للوصول لاحقًا إلى أوروبا الغربية عبر البلقان. ودخل حتى الآن 181 ألف لاجئ هذا العام إلى أوروبا عن طريق اليونان أولاً، عابرين امتداد ضيق من البحر بين تركيا واليونان. ومن هناك، تشق الجموع طريقها عبر مقدونيا، صربيا، وصولاً إلى الحدود المجرية. ومن ثم، يأمل اللاجئون بالانطلاق من هناك نحو ألمانيا، أو نقاط أخرى في أوروبا الغربية ، الا أن كثيرين منهم ينتهون في سجون احدى هذه الدول أو جثثا كما حصل في النمسا.
وتتوقع الأمم المتحدة أن عدد اللاجئين الذين يصلون إلى البلقان يوميًا سيصبح 3000 لاجئ قريبًا.

وليس واضحاً ما اذا كان الاكتشاف المأسوي لجثث السبعين لاجئًا سيهز الدول الأوروبية التي رفضت حتى الآن تنسيق عملها في مسألة اللجوء، وهو ما تطالب به المستشارة الالمانية أنغيلا ميركل التي فتحت نافذة صغيرة للاجئين الاسبوع الماضي.

هذا التنسيق سيكون منصفًا لليونان وإيطاليا، اللتين تدفعان تكلفة مرتفعة جدًا، وصربيا ومقدونيا، اللتين تطمحان في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، واللتين تواجهان صعوبات في التعامل مع الوضع الحالي .

وزير خارجية #النمسا سيباستيان كورتس اقترح أخيراً خطة تدعو لنظام حصص بين جميع الدول الـ 28 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وإنشاء ملاذات آمنة لأولئك الذين يطلبون اللجوء في أوروبا، ومنح اللاجئين المؤهلين مروراً آمنًا للبلدان التي يقصدونها، وشن حملة على مهربي البشر. هذه التدابير تمثل نمطاً ملحاً تحتاج اليه أوروبا للتعامل بانسانية مع أكبر موجة لجوء منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك في انتظار جهد دولي حقيقي لوقف الحرب السورية وتشجيع السوريين على البقاء في ارضهم لئلا تتحول رواية "رجال في الشمس" قصة الشعوب العربية ، واحداً تلو الاخر.

monalisa.freiha@annahar.com.lb
twitter:@monalisaf

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard