هربت إلى بيروت فعادت إلى الجنوب جثّة مشوّهة: ريم ضحية جديدة

27 آب 2015 | 13:17

المصدر: "النهار"

سُلبت الحياة من ولاء على يد من وهبها إياها، أقدم والدها على قتلها في #عكار لأنها أرادت الزواج ممن تحبّ. مصير ديالا لا يختلف عنها فقد قتلها شقيقاها في بحورة دفاعاً عن شرفهما، وكذلك حصل مع مريم في #القرعون التي قتلها ابنها. نصيب سلوى لا يختلف عن سابقاتها إذ قتلت بدم بارد في كفروة الجنوبيّة بعدما عثر شقيقها على رسائل غراميّة على هاتفها، أمّا هند فقد ذبحها خالها بعدما وجدها برفقة شاب. هذه حصيلة عام من #جرائم ارتكبت في لبنان بحجة الدفاع عن شرف انتهكته فتيات ونساء، وصون كرامات رسمت معاييره عقليّات محدودة وحجريّة.

روميو وجولييت بنسخة لبنانيّة معدّلة

ريم هي إحدى تلك المجرمات اللواتي يشوّهن صورة مجتمعاتنا الرجعيّة، اقترفت ذنباً عظيماً لا بل خطيئة كبرى استحقت لأجلها الموت، فانتصر الحقّ والعدل ونالت جزاءها. لقد اقترفت ريم جريمة العشق، لقد أحبّت شاباً من دين آخر، وهربت معه بكل وقاحة، لقد أخطأت، عن قصد أو غير قصد، فالجهل جريمة أيضاً في مجتمعات تبجّل #القتل وتحرّم #الحبّ.

تعرّفت ريم إلى جواد في صفوف الدراسة، أغرمت به وأحبّته، كانا ينتظران فرصة الساعة الحادية عشرة ليجلسا معاً، فيمسك يدها خلسة، وهي تهمس له بخجل. فجأة تركت المدرسة استعداداً لتزويجها من ابن خالتها، رفضت ريم، فكيف ستتخلّى عمّن تحبّه، عن الشاب الذي رسمت له قلوباً بين أوراق دفاترها، واستمعت إلى أغاني الحبّ فتتخايله يردّدها لها؟ شكت له أمرها، فكان الحلّ الهروب معاً. خطّط جواد للهروب من الجنوب إلى #بيروت، استأجر غرفة صغيرة، وحصل على عمل في إحدى شركات الأمن الخاصّة، ومسك يد حبيبته وهربا معاً، لكن لا الدين رحمهما ولا العائلة حنّت عليهما، لم تكتمل فرحتهما معاً، عثر والدها وشقيقها عليهما، وانترعت من بين أحضانه، أصابته كدمات عدّة، ولكن الأقسى عليه كانت تلك الضربة القاضية التي سلبت ريم حياتها.

العائلة الجلّاد الأوّل

"في غضون سنة وقعت ست جرائم، تندرج في خانة ما يسمّى بجرائم الشرف" هذا ما تؤكّده المسؤولة الإعلاميّة في جمعيّة "#كفى_عنف_واستغلال" مايا عمّار لـ"النهار"، وتتابع: "لقد سجّلت هذه الجرائم في مناطق مختلفة من لبنان، وأسقطت عليها حجة الدفاع عن الشرف. غالبيّة هذه الجرائم تبقى بعيدة من الإعلام لأنها تنفّذ باسم الشرف وللسيطرة على علاقة تتنافى وتقاليد العائلة. نعلم بهذه الحوادث من خلال الخبر الأمني الذي يعمّم على الوسائل الإعلاميّة، لا من خلال الأهل الذي يتحفظون عن الكلام أو كشف تفاصيل للرأي العامّ، عكس تفاعلهم حين تكون الضحية قد قتلت على يد زوجها".

من الشرف إلى الغضب

الجرائم التي ترتكب دفاعاً عن العرض وخوفاً من العار، واصطلح على تسميتها بـ"#جرائم_الشرف"، يرتكبها شخصٌ فاجأ زوجته أو أحد أصوله أو فروعه في حالة #الزنى المشهود أو غير المشروع، وقد نصّت القوانين العربيّة بمعظمها على أحكام تحلّ العقوبة في هكذا حالات أو تخفّفها، لكن كيف يتعامل معها #القانون_اللبناني؟ تقول المحامية ليلى عواضة لـ"النهار": "لحظ القانون اللبناني جرائم الشرف في المادة 562 من قانون العقوبات، ولكنها ألغيت لاحقاً، وهي كانت تعطي المرتكب أعذاراً تخفيفيّة في حال قتل زوجته أو أحد أصوله أو فروعه في حال الجماع المشبوه. بعد إلغائها باتت هذه الجريمة لا تختلف عن غيرها من جرائم القتل ولا تخضغ لأي عذر تخفيفي".

وتؤكّد عواضة عدم وجود أي إحصاءات دقيقة حول جرائم الشرف في لبنان، نظراً للتكتم الذي يحكمها، وتضيف: "مصطلح "جرائم الشرف" اجتماعي وليس قانونياً، خصوصاً اننا نعيش في مجتمع شرقي يحمّل الفتاة عبء شرف العائلة". ولكنّها لا تنكر محاولات الالتفاف على القانون في بعض الأحيان، وتقول: "عند وقوع جرائم أسريّة، يحاول المرتكب الاستفادة من الأعذار المخفّفة التي تلحظها المادة 252 من قانون العقوبات، والتي تتيح تخفيف العقوبة عند ارتكابها في حال عضب أو سخط من المتضرّر، علماً أنها مادة عامّة، ولا تتعلّق فقط بالأزواج والفروع والأصول. أمّا بعد صدور القانون 293 لحماية المرأة من العنف الأسري، لم نسجّل حالات كثيرة استفادت من هذه المادة".

تركيبة مجتمعيّة عقليّة قبليّة

لكن ما هي المجتمعات التي تكثر فيها هذه الظاهرة، وهل مرتبطة بالأديان أو الثقافة الجماعيّة أم العقليّة المجتمعيّة؟ تقول رئيسة قسم العلوم الاجتماعيّة في جامعة الروح القدس، الدكتورة ميرنا عبود مزوّق لـ"النهار": "جريمة الشرف، يصعب جمعهما معاً، فلا علاقة بينهما، الجريمة تنمّ عن عمل مرفوض اجتماعياً وأخلاقياً، والشرف مرتبط بكرامة الإنسان. إذاً هذه التسمية خاطئة في الشكل، ولا تبرّر في المضمون، ولا توجد لها أسباب تخفيفيّة، إذ إن الجريمة جريمة مهما كانت دوافعها".

وتتابع مزوّق: "جريمة الشرف، كما يصطلح على تسميتها، لها علاقة مباشرة مع تركيبة مجتمعيّة وعقليّة قبليّة. للقبائل نظم وقواعد اجتماعيّة وثقافيّة يتنافى بعضها مع قوانين المجتمع الرسميّة التي تحمي الفرد والمجموعات، ومع القوانين العالميّة والدوليّة. القوانين القبليّة تخرج من القبيلة وكلّ من يخالفها ويكون ضدّها، يحلّل قتله، وخصوصاً المرأة نتيجة النظرة الدونيّة لها. ففي وقتٍ الحريّة العلائقيّة والحرية الجنسيّة مسموحة للرجل، هي ممنوعة على المرأة لأنها تمسّ القواعد الأخلاقيّة للقبيلة ويتأتى عنها قتلها. هذه العقليّة لا ترتبط بدين معيّن ولا علاقة لها بالمستوى الإيماني، فالأديان قائمة على الرحمة والمحبّة والتسامح، ولكنها تستعمل من بعض العقليّات القبليّة ذات التقاليد المتخلّفة اجتماعياً".

وتختم مزوّق: "ليس كلّ ما هو تقليدي منافياً للقيم والأخلاق. المجتمع لا يبنى من دون تقليد، واستمراريّته مرتبطة ببعض #العادات و #التقاليد وخصوصاً تلك التي تبني إنسانيّة الإنسان وتحافظ على قيمه، لا تلك التي تنظر إلى المرأة بدونيّة، ولا تحترم الأولاد، ولا العلاقة الزوجيّة أو الحبّ الزوجي. والتي من الواجب تغييرها".

Viviane.Akiki@annahar.com.lb

Twitter: @VIVIANEAKIKI

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard