ما لم يُكشف عن "المجتمع المدني اللبناني"

24 آب 2015 | 19:33

المصدر: "النهار"

الغضب الساطع آتٍ، تنحّوا يا فاسدين، فالشعب يريد إسقاط النظام، بحيث لن يعيش اللبناني مرفوع الرأس إلّا بثورة. هيّا بنا إلى الساحة، ثورة، ثورة، ثورة... 25 عاماً مرّت قبل أن يشمّ اللبنانيون رائحة #فساد الطبقة السياسيّة التي أنتجها "#اتفاق_الطائف"، لم يلحظوا هذه الرائحة إلّا بعد انتشار روائح #النفايات المكدّسة على الطرقات، فانطلق تجمّع #طلعت_ريحتكم ليعيد الحقوق إلى أصحابها، ويحقّق مطالب شعب يئس فهاجر بعضه، وخنع البعض الآخر متعايشاً مع الواقع.

بدأت تحرّكات التجمّع بمئات المشاركين المندفعين، ثمّ كبرت كرة الثلج تدريجاً لتضمّ فئات الشعب كافة، فنزل المقهور والمغبون والمظلوم، ونزل المتقاعد الذي لم ينل ضمان شيخوخة منذ عقود، نزل الطالب الذي يعمل ليسدّد أقساط جامعته، نزل الوالد العاجز عن تأمين مستلزمات عائلته، نزلت الفتاة المتردّدة بإنجاب ولد كي لا يعيش مذلولاً في وطنه، نزل المعلم والمستأجر وصاحب الإيجار والناقم على الهدر والفساد والتمييز والإقطاع، نزل أهالي الشهداء والأسرى والمخطوفين الذين لم يستردّوا حقوق أولادهم وما زالوا ينتظرون عودتهم، نزل المواطن المحروم من الماء والكهرباء والضمان والطبابة والنقل المشترك، نزل المواطن الحاقد على تحالف السلطة والمال. ولكن نزل أيضاً سماسرة استثمروا قهر #الشعب_اللبناني، وتركوهم وحيدين يواجهون خراطيم المياه، والرصاص المطاطي، وعصي مكافحة الشغب.

الثورات الملوّنة
في أواخر ثمانينات القرن الماضي أطلق المفكّر الفرنسي بيتاتي والسياسي برنارد كوشنير (كان عضواً في أطباء بلا حدود) مفهوم "حق التدخّل" الذي يبيح للمجتمع الدولي انتهاك سيادة دولة ما، لا تحترم حقوق مواطنيها بهدف تقديم المساعدات الإنسانيّة لهم. بعد سقوط الاتحاد السوفياتي تبدّل كثير من المفاهيم على الساحة الدوليّة، وبرز مفهوم تحوّل السيادة كسلطة إلى السيادة كمسؤوليّة، أي مسؤولية الدولة في حماية مواطنيها وتأمين رفاهيتهم، ومسؤوليّة المجتمع الدولي في تأمين هذه الرفاهية والأمان متى عجزت الدولة. مفاهيم كان الهدف المصلحي منها بسط وتوسيع نفوذ الدول الكبرى والفاعلة دولياً، وتناتش المكتسبات الاستراتيجيّة فيما بينها من خلال التقاتل على أراضي الآخرين، ولم تكن #الثورات_الملوّنة إلّا وسيلة لتحقيق ذلك، فبدل التدخّل عسكرياً وتكبّد خسائر، لما لا تتحقّق المصالح الاستراتيجيّة من خلال ثورة شعوب الدول نفسها، عبر التحرّكات والمظاهرات الشبابيّة المطلبيّة السلميّة التي ترفع شعاراً ولوناً موّحداً لها.

بعد الثورة التي أطاحت بالرئيس الصربي ميلوسوفيتش عام 2000، كرّت سبحة الثورات الملوّنة التي خطّطت لها أجهزة الاستخبارات الأميركيّة، فشهدت جورجيا "ثورة الورود" عام 2003، وتابعنا " لثورة البرتقاليّة" عام 2004 في أوكرانيا، ثم "ثورة الأرز" عام 2005 في لبنان، و"ثورة الزنبق" في قيرغستان. عندها أوجدت الأنظمة استراتيجيّات لمواجهة الثورات كإخضاع المنشآت الحيويّة والمباني الحكوميّة للحماية، وتأهيل القوات العسكريّة لمواجهة المتظاهرين، وتشكيل تنظيمات شبابيّة مضادّة بدل استعمال الأساليب الدكتاتوريّة والقمع ليصبح الاشتباك بين مظاهرتين، عسكرة شخصيّات عامّة ومفكّرين وفنّانين ورجال دين لما لهم من تأثير على الجموع، تسريت السياسات الحكوميّة المتخّذة لمواجهة المتظاهرين في محاولة لردع المتردّدين عن المشاركة. عندها تحوّلت الثورات من اللاعنف إلى العنف المفتعل، وهذا ما حصل في إيران عام 2009، ومصر وتونس وسوريا عام 2011، وفنزويلا وأوكرانيا عام 2013، حيث يقوم القناصة بإطلاق النار على المتظاهرين، أو يرتدي أفراد لباساً عسكرياً حكومياً للاعتداء على المحتجّين السلميّين لتجييش الرأي العام ضدّ #النظام وكسب التعاطف.

عن المجتمع المدني اللبناني
علمياً يُعرف المجتمع المدني بكونه عبارة عن #جمعيّات_مدنيّة، قد تحلّ أحياناً مكان الأحزاب إذا كانت مؤثّرة ونشيطة، وقد تكون جزءاً كبيراً من الأحزاب وماكينتها. يتألّف من مدنيين لديهم اهتمامات ويتحرّكون من دون مطامع سياسيّة، يتابعون ما يهمّ المجتمع على مختلف الصعد.

في لبنان لا توجد نواة لمجتمع كهذا نظراً للانقسام السياسي العامودي بين مكوّناته من جهة، والتقسيمات #الطائفيّة التي تتحكّم بالمجتمع من جهة ثانية، إضافة إلى وجود علامات استفهام كثيرة حوله بدءاً من تمويله من الخارج وارتباط منظّميه بسفارات أجنبيّة، وتحرّك #طلعت_ريحتكم خير مثال، ويؤخذ عليه مآخذ عدّة فهو عمّم الصّفات نفسها على كلّ الأطراف السياسيّة، ولم يفرز الصالح عن الطالح، إضافة إلى احتكاره ساحة الاعتصام، ومحاولة إلغاء الآخرين برفضه تواجد مواطنين وضعوا انتماءاتهم السياسيّة والطائفيّة جانباً، وتظاهروا للمطالبة بحقوقهم، عدا عن استعمال تعابير عنصريّة وطبقيّة حيال متظاهرين آخرين.

لم ينتج تحرّك #طلعت_ريحتكم جديداً بل اقتبس ثورة بدأت ملوّنة وسلميّة، فاستغلوا شعارات تَجمَّع #الشعب_اللبناني حولها، لينفذوا مشاريع أخرى ربّما. شهدنا عنفاً مفتعلاً جيّش #الرأي_العام. انطلقت التظاهرة للضغط باتجاه إيجاد حلّ للنفايات وتحوّرت باتجاه #إسقاط_النظام واقتحام المقرّات الرسميّة، شعار يتوّجس منه شراً بعدما ظهرت مفاعيله في سوريا وليبيا وتونس ومصر، حيث عمّت الفوضى في غياب البدائل.

لعب في المجهول
لا شكّ أن المطالب محقّة، لكن النتيجة معيبة، فكيف تقيّم تحرّكات الأسبوعين الماضيين؟ يقول المحلّل السياسي في جريدة "النهار" سركيس نعوم: "اللبنانيون هم عبارة عن شعوب مدّعية، تظنّ أنها حضاريّة، ولكنها تعاني تخلّفاً مثل كلّ شعوب المنطقة، أخذوا فكرة المجتمع المدني من الغرب، وبات هناك آلاف الجمعيّات غير الفاعلة والمؤثّرة، مموّلة من الخارج، ويقتصر نشاطها على إقامة الماراتونات، والمآدب لجمع التبرّعات، والقيام بحركات لا جذور لها. أخذوا مظاهر الحضارة فقط، دون أن يتفقوا على الأهداف الأساسيّة، فلولا الدعم الإعلامي الذي تلقّته الحملة الأخيرة، وتعاطف الشعب معهم وشعورهم بالإذلال والمهانة والظلم لما جمعوا هذه العدد الذي وصول إلى بضعة آلاف. المطلوب إعادة النظر بالتحرّك، وتقوية دعائمه، وتحديد برنامج وخطة عمل واضحة، والتنسيق فيما بينهم، بعد أن عمّق الشرخ المجتمعي، فبعد أن توحّد الشارع تحت مطالب مكافحة الفساد، عاد شارعين نتيجة ارتجال التحرّك، وتهوّر وحماسة أعضائه المفرطة، وافتقاده القدرة على ضبط الشارع، لقد ورّطوا الناس الصادقين في لعبة إثارة الفتن وإسقاط النظام دون وجود بديل. من الواضح أن الحكومة لن تنتج، والصراع سيبلغ مداه، ومتى تبلورت المصلحة والظروف الإقليميّة لتفجيره أو إنتاج نظام جديد".

وفي السياق نفسه، تقول أستاذة العلوم السياسيّة الدكتورة فاديا كيوان لـ"النهار": "الواضح من ردّة فعل الناس أنهم ما زال لديهم النبض لينفعلوا ويغضبوا. المشكلة في التحرّك وجود أكثر من رأي، فهناك الراديكاليون والواقعيون، ولم تكن مطالبهم واضحة، البداية كانت مع الإصرار على إيجاد خطّة نفايات جديّة وشفّافة، ثمّ راحوا يطالبون بإسقاط وزيري البيئة والداخليّة، وإسقاط الحكومة ومجلس النواب والنظام، وون وجود بدائل جاهزة. على المبادرين إلى التحرّك أن يضعوا خطّة واقعيّة محدّدة المطالب وقابلة للتنفيذ على المدى القريب، النفايات جمعت الناس بعدما شمّوا روائح الصفقات. ليتركوا مطالب إسقاط النظام لوقت آخر، كي لا يكونوا من حيث لا يدرون يدفعون البلد ناحية الانهيار الكبير، أي الفوضى التي شهدناها سابقاً في ليبيا واليمن وسوريا والعراق، ومن المحتمل جرّ البلد نحو حروب وتنازعات على الأرض بين المجموعات المذهبيّة. نحن نطالب بإسقاط النظام وإحداث تغيير في إدارة البلد ولكن عبر الوسائل الدستوريّة من خلال انتخابات نيابيّة توصل نخبًا جديدة قادرة على صنع التغيير عبر برامج عمل واضحة، وتفعيل واحب المساءلة والمحاسبة".

Viviane.Akiki@annahar.com.lb

Twitter : @VIVIANEAKIKI

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard