آخر إبداعات دولة الفساد: جدار الفصل في بيروت!

24 آب 2015 | 20:15

المصدر: "النهار"

تصوير ابرهيم الطويل.

ترفع القوى الأمنية، في مشهد يُذكّر بعَسكرة الأوطان، جدار اسمنت بغيض قبالة السرايا تحسّباً لغضب الشارع. يتفنّن الأمن اللبناني في تعميق الشرخ بين المواطن والشرطة، مقدّماً نماذج ومبررات تُثبت استحالة لقاء الدولة والشعب. هبّت إلى تظاهرة #طلعت_ريحتكم عناصر بالغت في التكسير والتحطيم، حتى اتخذت لنفسها مظهر الزعرنات وقطّاع الطرق. يواصل الأمن ادعاء الحرص على حياة الناس، ظناً منه أنّ أمان الأجساد من دون كرامة النفوس يكفي. يُكثر بياناتٍ وخطباً فحواها تبريرات تفتقر إلى الاقناع، في مقابل السلوك الميليشيوي الذي يُترجَم على الأرض. المفارقة أنّ الاحتياطات ضدّ "الشغب" تكثّفت قبالة #السرايا_الحكومية كما لم يحدث في أيّ زواية أخرى معرَّضة لـ"التخريب" و"الدسّ".


لن نصدّق أنّ أمناً يدّعي حماية الناس، ينصب في وجوههم جداراً يعيد إلى الأذهان معاناة الشعوب مع جدران العنصرية. شاهدنا كيف هاجمت القوى الأمنية حشد المتظاهرين، وعاملتهم بما يشبه بطش أصحاب القوة لمَن لا يملكون إلا الصرخات. دخول مَن قيل أنّهم مُرسَلون من جهات لا تريد الثورة أن تتبلور، يُحرِج العناصر الأمنية عوض أن يُبيّض صفحتها. أن يُرفع جدارٌ أسماه المغرّدون "جدار العار" حصراً قبالة السرايا، يثبت مرّة أخرى أنّ الشرطة في خدمة السلطة، وما الكلام النقيض عن أنّها مكلّفة خدمة الشعب سوى هراء. الخوف من "تسلّل" مواطنين نحو السرايا وما قد يحدث لو "تكمّش" غاضبٌ بوزير أو مَن يمتّ إليه بصلة، هو وحده ما يُقلق أزلام الجدران والرصاص المطّاط. لا يُرحَّب بالعنف أياً كان مصدره، لكنّ الجائع ليس له أن ينضبط ويهدأ ويُقدّم للآخرين دروساً في الرقيّ والاتيكيت. وليس له، في المقابل، أن يُخرّب ممتلكات الغير ويُسيئ إلى مَعْلَم الأمكنة ويعتبر رجل الأمن عدوّه الأوحد الذي يستحقّ أن يُحارَب ويُقتل، فذلك ليس الخلاص. الزعم أنّ الجدار الاسمنتي المثير للاشمئزاز يُرفَع بسبب مَن وُصفوا بالزعران وترقّباً لِما قد يُقدِمون عليه، دعابةٌ كبرى لا تُقنع حتى مَن تسيطر عليهم بساطة الأطفال. يُضبَط الشارع بتحقيق مطالبه لا بصدّ المطالبين بالمياه والرصاص والحصار والطرد والكلام المسموم من سياسي إلى آخر. هنا السلطة تجد الشعب مصدر خطر، لئلا يرانا البعض حاقدين لو قلنا إنّ الشعب في نظرها احتمال عدو سيكشّر عن أنيابه في أيّ لحظة. كيف "تُكافَح" ظاهرة الشعب؟ برشقه بالمياه وتفريقه بالرصاص والتفرّج على الجرحى، ومظاهر ديموقراطية أخرى كجدار الفصل.


لا نذكر الدولة إلا والتراخي قد نخرها، كما اللاهيبة وتعمُّد إحباط الناس. لكنّها في مواقف المصير، لا تتوانى عن الاستشراس وصبّ غضبها على الشعب. نحاول فهم "منطق" السلطة القائم على التذرّع ببثّ الطمأنينة في القلوب مع كلّ إجراء بائس يُتخد. لماذا خراطيم المياه؟ لماذا الرصاص الحيّ والمطّاط؟ لماذا أعداد الجرحى؟ لماذا قمع الأصوات؟ ولماذا الجدران الكريهة في مواجهة الناس؟ لأنّ وظيفة الدولة الإبقاء على ما يُسمّى "حُفظ النظام". أيّ الأنظمة يجري حفظها الآن؟ "النظام اللبناني" البهيّ القابع على الصدور كمخلّفات الحرب. من خصاله: الطائفية، الفساد، التجويع، امتهان الكرامات، حماية النفايات، وتخريب الجمال وإن كان تظاهرة ترفع الرأس.

 

fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard