الطيران الأسدي مخاطباً جثث دوما: أنا الوحش أنا المحرقة

17 آب 2015 | 21:10

المصدر: "النهار"

الصورة عن "رويترز"

نعود بالصورة إلى مجزرة الكيميائي التي قضت على #طفولة لم تضحك وأحلام لم تتحقّق. الغوطة أمس ودوما اليوم، وأين المفرّ من ثقافة المذبحة؟ المشهد مخيف: #الطيران في السماء يقصف من دون رحمة، لا يكترث لطفل ربما كان يلعب، أو لأمّ أقفلت الباب على أولاد جائعين وارتادت السوق لشراء رغيف، فماتت. الطيران لا يعرف الشفقة. له أنياب الكواسر وطباع الأفعى. خبيثٌ كطاغية، جزّار كجريمة، قاتلٌ كوغد. يحوم في أرجاء #دوما منتصراً بإنجاز المَهمّة. عشرات الجثث والطائرة لا تشبع. تودّ لو تبيد كلّ مَن يرمقها بنظرة عتب أو يرجوها احتكاماً إلى الضمائر. هل للطيران الأسدي ضمير يحول دون استمرار المحرقة؟ لا ضمير ولا قلب.

الأولاد في الزوايا، يبدون نياماً لوهلة، ثم يتبيّن أنهم جثث. كيف يكون الولد #جثّة ، والطائرة تتباهى بأنها الأقوى وبأنّها الآن حسمت المعركة؟ كيف لا تخجل من إشهار الهمجية؟ كيف لا تأبه لاتباع سلوك الوحش؟ 100 ضحية في ضربة واحدة، هم تفاهة البشرية ولاعدالة الأرض وكذبة أنّ العالم يرى. الحناجر تصرخ، لكنّ الصرخة لم تعد مدوّية. تشبه الهمس بصمته وهدوئه وانكفائه وعجزه. هدير الطيران القاتل مدوٍّ أكثر. يعد ويفعل. يهدّد ويقتل. ثم يتابع هديره كأنّ أحداً لن يكترث للقتلى. الهدير كفعل أسديّ يسعى خلف الأفواه لِكَمّها، حائلاً دون رفع الصوت إثر كلّ مجزرة. يتفوّق على الحناجر الساخطة فلا يُسمَع لها نداء، كأنّها في وضعية سُبات، والصمت وحده المصير والقدر. الطيران يقتل بالصاروخ والهدير وتحويل الضوضاء إلى ظلمة. آلة الموت الأسدية تسدّد ضرباتها مناصفةً بين الأحياء والموتى. كأنّ مَن يموتون هم أنفسهم مَن ينتظرون دورهم أو يشيّعون القتلى. تراقب من الأعلى تخبُّط الأرض بالفوضى: دموع تسيل ووجوه تخونها صورها وأقدام لا تعرف اتجاهها. الجثة غارقة في دمائها، سخونة آب من جهة والنزف الحارق من جهة ثانية. أما الطائرة فتضحك، يروقها المشهد وتجد أنّ من حقّ الذات أن تستلذّ بما حقّقت. ليس بالضرورة مشهد تكدّس الجثث على أرض سوق كانت في الصباح مزدحمة، بل صراخ مَن نجوا هذه المرة. كما قتلت اسرائيل محمد الدرّة في أحضان والده، يقتل الطيران الأسديّ أولاد السوريين ويتفرّج على آبائهم وأمهاتهم يُقتلون في كلّ يوم ألف مرة. الأموات لا يشعرون. الأحياء يمضون العُمر في الذكرى.

يصطفون من دون حراك، هادئون كالنسائم، لا يُصدرون صوتاً. يملّون أنّ العالم بأسره يتكلّم، والكلام زائل، من غير جدوى. في كلّ #مجزرة ، نلجأ إلى المفردات عينها للندب والقهر والبكاء على الجثث. نوصّف الطفولة الحزينة والوجه التائه والموت الذي يحلّ لأنّ معركة الوجود مستمرة. نجترّ المصائب حتى نعجز أمام هولها، ثم نسلّم لها أنفسنا ونعجز. نحن أيضاً ضحايا الصور التي نشاهدها وتهزّ أرواحنا من غير أن نفعل إزاءها شيئاً. الإنسان دائماً جثة، يلمح ذاته في مَن سبقوه إلى القبر. يودّ لو أنه هو أيضاً لا يرى ولا يسمع. تماماً كالجثة. لو أنه لا يشعر بما يجري حوله ولا يحمّل نفسه عبء الموقف والمسؤولية الأخلاقية. لا يُعذَّب بصراخ الصارخين وآلام مَن لا يقوون على الوجع. لذلك ينسى، في انتظار مجزرة أخرى، وهدير آخر يقول أنا الوحش. طائرة من فوق ترفع شارة النصر فيلتقط التلفزيون الرسمي المشهد ويُرفقه بخبر #عاجل عن دحر الإرهاب وبقاء الوطن. لا #وطن من دون شعب وطمأنينة وضمائر تبثّ الحقيقة عوض البطولات المفبركة.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard