الشارع يغلي مع غياب واضح لحلّ أزمة التقنين في المدى القريب

11 آب 2015 | 14:22

المصدر: "النهار"

سلّة من الأزمات يواجهها اللبناني يومياً منذ اعوام من دون حلول جذرية توفر له بعضاً من حقوقه كمواطن. وتبقى الكهرباء أزمة الازمات وحكاية "إبريق الزيت" التي لم تجد حتى اليوم طريقها نحو الحل، في انتظار "أينشتاين" ما ينقذ المواطن من واقعه المرير.

قبل حرب 1975، كانت التغذية بالتيار الكهربائي على مدار الساعة وبلا انقطاع، وكان لبنان يوردها في حينه الى سوريا، ليصل به الحال بعد 30 سنة الى شرائها منها. وبين 1991 و1992، اي بعد الخروج من الحرب، ومع بدء عملية إعادة الاعمار، كان اللبنانيون يتمتعون بما بين 18 و19 ساعة تغذية بالكهرباء يومياً. استمر هذا الواقع في التدهور رغم قرارات الحكومات المتعاقبة بزيادات مستمرة لحجم الانفاق على الكهرباء حتى وصلت ساعات التقنين في لبنان الى نحو 14 ساعة يومياً في بعض المناطق.
تعاقب في آخر ثلاثين سنة على وزارة الطاقة والمياه عشرة وزراء من مختلف الانتماءات السياسية أغلبهم من قوى 8 آذار، ومنذ 17 عاماً لم تتخذ خطوة تجاه إدخال تحسينات الى واقع القطاع باستثناء بعض الخطط، ومنها التي وضعتها جمعية الصناعيين لإعادة تدوير النفايات وتوليد الطاقة منها، والخطة التي وضعها وزير الطاقة والمياه السابق جبران باسيل.

أسباب التدهور
من أسباب تفاقم مشكلة التقنين، الفارق الكبير بين الانتاج والطلب، اذ وصل الطلب الى 3150 ميغاواط، في حين أن المعامل تستطيع إنتاج 1600 إلى 1700 ميغاواط في أحسن الاحوال، اضافة الى الأعطال المستمرة في معامل الإنتاج والنقص في محطات وخطوط النقل، والتعديات على الشبكات وتراجع الجباية، ومشكلة أكثر من 1,5 مليون لاجئ سوري يستهلكون 306 ميغاواط اي ما يوازي 3 ساعات من التغذية، وبتكلفة تبلغ 354 مليون دولار سنويا. ويتم إهدار ما بين 30 و40% من الطاقة المنتجة في لبنان فيما يعود عمر 60% من محطات توليد الكهرباء الى أكثر من 20 عاماً، و10% وبلغ عمر عدد منها نحو 40 عاماً، كما أن شبكة نقل الـ 220 كيلوفولت غير مترابطة ما يجعلها شبكة غير مستقرة وعرضة للمشكلات صيفاً وشتاء. يضاف الى كل ذلك تأخّر تجهيز المعامل في البداوي والزوق والجية، رغم أن خطة وزارة الطاقة حددت سنة 2015 لعودة الكهرباء 24/24.
وبحسب الارقام الرسمية، تتوزع القدرة الانتاجية للمعامل اللبنانية على الشكل الآتي: دير عمار 430 ميغاواط، الزهراني 298 ميغاواط، الزوق 248 ميغاواط الجية 67 ميغاواط، بعلبك 30 ميغاواط، صور 30 ميغاواط، الحريشة 33 ميغاواط، البواخر التركية 283 ميغاواط (اكثر من 20% من إجمالي الطاقة المنتجة وتستطيع رفع طاقتها إلى 400 ميغاواط في حال طلبت الدولة ذلك)، إنتاج مائي 100 ميغاواط واستجرار من سوريا 95 ميغاواط. وتالياً تكون القدرة الانتاجية للمعامل الموضوعة على الشبكة بحدها الاقصى قرب 1650 ميغاواط فقط.
وتعتبر تكلفة الإنتاج في لبنان مرتفعة جداً مقارنة بالمعدل العالمي، إذ تصل تكلفة إنتاج كل 1 ميغاواط/ ساعة في لبنان الى 255 ألف ليرة، استناداً الى الخطة الاستراتيجية لقطاع الكهرباء التي أعلنها الوزير باسيل خلال تسلمه وزارة الطاقة والمياه، 75% منها تكلفة فيول في الوقت الذي تراوح فيه هذه التكلفة عالمياً ما بين 1 أورو (ما يقارب 1600 ليرة) و30 أورو، اي نحو 50000 ليرة لكل 1 ميغاواط الساعة، كما أن الكفاية الحرارية المستخدمة في لبنان متدنية جداً، ما يعني أن عدد الكيلواط/ ساعة المنتجة لكل برميل من الفيول هي أيضاً من الأدنى عالمياً.

التداعيات الاقتصادية
لهذه الازمة تداعيات إقتصادية وإجتماعية كثيرة، اذ أن نحو 75% من الشركات اللبنانية تعتبر أن الكهرباء تشكل عائقاً رئيسياً أمام النمو والقدرة التنافسية. أما على المستوى الاجتماعي، فإن متوسط فاتورة الكهرباء للأسرة في لبنان يقدر بأكثر من 1200 دولار سنوياً تدفع أكثر من ثلثيها للمولدات الخاصة التي تنتج بدورها ما يقارب 750 ميغاواط من الكهرباء، أي ان أكثر من 40% من حاجات اللبنانيين للطاقة تعتمد على هذه المولدات.
إضافة الى ذلك، يكلف قطاع الكهرباء خزينة الدولة أكثر من 1.6 مليار دولار سنوياً اي ما يقارب 20% من إجمالي وارداتها، ويصل عجز المؤسسة المتراكم منذ العام 1992 الى 30 مليار دولار نتيجة التعرفة المدعومة بنسبة 150% المقدمة لأكثر من 1.5 مليون مشترك، فيما تصل تكلفة أزمة الكهرباء على القطاع الصناعي اللبناني الى أكثر من 400 مليون دولار سنويا وفق البنك الدولي.

الحل...
يبدو أن حلّ أزمة الكهرباء في لبنان ليس مستحيلاً، وقد يبدأ عبر تطبيق الخطوات الآتية:
- تنفيذ الاتفاقات التي أبرمت بالنسبة إلى زيادة الإنتاج في معملي الزوق والجية، اذ يساهم هذا الامر في رفع القدرة الانتاجية لمعمل الزوق بـ 200 ميغاواط إضافية وبـ 80 ميغاواط لمعمل الجية.
- الاسراع في بناء معمل دير عمار الجديد الذي يفترض ان ينتج ما بين 500 و600 ميغاواط.
- إمكان شراء الفيول مباشرة من المصدر من دون المرور بشركات الاستيراد، ما يُقلل حجم الفواتير المستحقة على الدولة.
- وضع خطّة طويلة الأمد يتم تنفيذها فوراً وتقضي بالتخلّي عن البترول في إنتاج الكهرباء واعتماد تقنيّات جديدة تعتمد على الغاز والشمس والفحم (Pulverized Coal).
- البحث عن مصادر جديدة للطاقة بتكلفة أقل بالاضافة الى بناء معامل تعتمد على الطاقة المتجدّدة مثل الشمس، الهواء، الوقود الحيوية...
- اعتماد نهج الشركة بين القطاعين العام الخاص لإنشاء معامل إنتاج الطاقة واعتماد آلية التلزيم المفصلة في مشروع قانون الشركة بين القطاعين العام والخاص الى حين إقرار هذا القانون.
- تطبيق القانون 462 بالنسبة إلى إنشاء الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، وفي ضوء مهلة السنتين التي حددها القانون 288/ 2014.
- التلزيم عبر هيئة إدارة المناقصات والحصول على قروض ميسّرة من الصناديق العربية أو سواها، بعد تعيين مجلس إدارة لمؤسسة كهرباء لبنان.
ويأمل المواطن في النهاية الخروج من هذه الازمة التي أدت في الفترة الاخيرة الى حال من الغليان في الشارع، قد تكون تداعياته خطيرة على كل الصعد في حال عدم إعلان حالة الطوارئ الكهربائية لإيجاد الحلول.

maurice.matta@annahar.com.lb
Twitter: @mauricematta

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard