إسلام ما قبل الإسلام

2 آب 2015 | 19:21

المصدر: "النهار"

في الآية 58 من سورة الحج (السورة 22) ، يقول الله تعالى : "ملة أبيكم ابراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل". أي ان ابراهيم عليه السلام هو أول من أطلق صفة المسلمين على الذين آمنوا معه بالله واستسلموا لإرادته ومشيئته .

وفي الآية 12 من سورة الزمر (السورة 39) ، يقول الله تعالى على لسان النبي محمد عليه الصلاة والسلام :" وأمرتُ لأن أكون أول المسلمين". وهو ما ورد ذكره مرة ثانية في القرآن الكريم أيضاً بقوله : "لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين". (الأنعام – الآية 163) .
من هنا السؤال الذي يشكل مفتاح هذا البحث: كيف يكون ابراهيم عليه السلام هو "من سماكم المسلمين من قبل" ، ويكون محمد عليه السلام الذي جاء بعده بعدة قرون، أول المسلمين"؟ أي كيف لا يكون أول من أطلق اسم المسلمين على المؤمنين بالله، هو نفسه أول المسلمين؟ وكيف يكون آخر الأنبياء والمرسلين هو أول المسلمين؟
بين رسولَي الله ابراهيم ومحمد سلسلة طويلة من الرسل والأنبياء. منهم من ورد ذكرهم في القرآن الكريم ومن منهم لم يرد، "منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك" (سورة غافر – الآية 78). ولكن ما من نبي أو رسول ورد ذكره في القرآن الكريم إلا وأعلن إسلامه لله هو والمؤمنون من قومه، وبموجب الشريعة التي أوحى الله بها اليه.
في الأساس حدد القرآن الكريم الهوية الإيمانية لابراهيم عليه السلام سلباً وإيجاباً. في التحديد السلبي قال: "ما كان ابراهيم يهودياً ولا نصرانياً" وذلك لأنه بُعث قبل اليهودية وقبل النصرانية. وفي التحديد الإيجابي قال: "ولكن كان حنيفاً مسلماً" (آل عمران – الآية 67).
وفي الاساس أيضاً فإن ابراهيم وابنه اسماعيل توجها الى الله بدعاء مشترك قالا فيه: "ربنا واجعلنا مسلمَين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك" (البقرة - الآية 132).
وفي الأساس كذلك حدد القرآن الكريم وصية ابراهيم عليه السلام لبنيه ويعقوب بقوله: "ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون". (البقرة – الآية 132).
وفي ضوء هذه الوصية نقل القرآن الكريم حواراً بين يعقوب عليه السلام وأبنائه. فقد سألهم: "ما تعبدون من بعدي؟" " قالوا نعبد إلهك وإله آبائك ابراهيم واسماعيل واسحق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون". (البقرة – الآية 133) .
وفي دعاء يوسف عليه السلام الى ربه قال: "أنت وليي في الدنيا والآخرة توفّني مسلماً وألحقني بالصالحين". (يوسف – الآية 101). فالإسلام هو طريق الصالحين. وهو الطريق الى الصالحين.
وفي القرآن الكريم وصف نوح عليه السلام إيمانه بالإسلام بعد أن رفض قومه الاستماع الى دعوته، فقال: "إن أجري إلا على الله وأُمرتُ أن أكون من المسلمين". (يونس – الآية 72).
ويروي القرآن الكريم قصة موسى عليه السلام مع سحَرة فرعون الذين أدركوا أن عصا موسى التي التهمت عصيهم التي حولوها الى ثعابين وهمية كانت إعجازاً خارقاً وحقيقياً، فخرّوا له ساجدين وهم يرددون: "ربنا افرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين". (الأعراف – الآية 126)، وذلك ادراكاً منهم بأنهم سوف يتعرضون بسبب إيمانهم بموسى عليه السلام الى عذاب انتقامي قاتل من فرعون، فدعوا الله أن يفرغ عليهم الصبر وأن يتوفاهم مسلمين.
وفي حديثه الى قومه ربط موسى عليه السلام بين الإيمان بالله والإسلام. فقال لقومه: "إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين".(يونس – الآية 84). ويصف القرآن الكريم كيف ان فرعون وجنوده لحقوا بموسى وقومه الى البحر، ويقول: "وجاوزنا ببني اسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً حتى إذا أدركه الغرق قال انه لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل وإنا من المسلمين". (يونس – الآية 90).
ويروي القرآن الكريم كذلك قصة نبي الله سليمان عليه السلام ودعوته الى قومٍ تحكمهم امرأة بقوله: "إلا تعلوا علي وأتوني مسلمين" (النمل – الآية 31)، أي مسلمين لله.
وفي حديث سليمان عليه السلام الى الجن الذين سخرهم الله لخدمته "قال أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها (عرش بلقيس) قبل أن يأتوني مسلمين". (النمل – الآية 38). حتى ان الجن أنفسهم قالوا: "وإن منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً" (الجن – الآية 14).
ويشير القرآن الكريم الى معاناة عيسى عليه السلام مع قومه الذين رفضوا دعوته. ويروي حواراً جرى بينه وبين حوارييه على الشكل التالي: "فلما أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري الى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون". (آل عمران – الأية 52). أي ان حواريي عيسى عليه السلام أشهدوا الله على انهم مسلمون.
ويجدد القرآن الكريم الاشارة الى هذه الواقعة الإيمانية حيث يقول: "وإذ أوحيت الى الحواريين أن آمنوا بي وبرسلي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون". (المائدة – الآية 111).
فالحواريون آمنوا بالله، وبالمسيح عيسى ابن مريم، وآمنوا كذلك بمن سبقه من رسل الله – ولذلك قال "أن آمنوا بي وبرسلي" بالجمع - ، وهو الإيمان العام والشامل الذي اشهدوا الله عليه بأنهم مسلمون.
من أجل ذلك يدعونا القرآن الكريم الى عدم مجادلة أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن. ويعلمنا كيف يكون الجدال معهم بالتي هي أحسن، فيقول: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا – وهو الجدال بالتي هي أحسن- آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل اليكم وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون". (العنكبوت – الآية 46).
وهذا يعني ان صفة الإسلام تطلق على الإيمان بما أنزل الى محمد عليه السلام وما أنزل من قبله من وحي السماء وخاصة الى عيسى وموسى عليهما السلام، والإيمان أيضاً بأن إله المسلمين وإله أهل الكتاب إله واحد.
يتردد هذا الموقف المبدأي التأصيلي بشكل تفصيلي في القرآن الكريم. وخاصة في قوله تعالى: "قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون". (آل عمران – الآية 84) .
وبموجب مضمون هذه الآية الكريمة فان التعريف العام للإسلام يكون الإيمان بجميع رسل الله وأنبيائه، وعدم التفريق بينهم – وهذا أمر جوهري في العلاقات الإيمانية- . والإيمان برسالات الله جميعاً التي حملها هؤلاء الرسل والأنبياء من ربهم.
ويربط القرآن الكريم دائماً الإيمان بالله الواحد بالإسلام لله الواحد:
" قل انما يوحى اليّ أنما إلهكم إله واحد فهل انتم مسلمون " . (الأنبياء – الآية 108).
" الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين " (الزخرف – الآية 69).
" واصلح لي في ذريتي إني تبت اليك وإني من المسلمين " (الأحقاف – الآية 15).
" ومن أحسن قولاً ممن دعا الى الله وعمل صالحاً وقال انني من المسلمين ". (فصلت – الآية 33) .
فالإسلام يقتضي أولاً الإيمان بالله الواحد وبجميع كتبه ورسالاته، وبجميع رسله وأنبيائه. ويتماهى الاصلاح والعمل الصالح مع الإسلام ويتكاملان معه، وهما يشكلان قاعدة من القواعد التي يقوم عليها الدين؛ ذلك ان العمل الصالح مرتبط دائماً بالايمان بالله الواحد. كذلك فان التوبة الى الله مدخلها الإسلام لله الواحد.
انطلاقاً من هذه القواعد الكلية للإيمان نفهم قول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: "انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". ذلك ان من مكارم أخلاقه عليه السلام انه وصف رسالته التي أوحى بها الله اليه ليس بإلغاء ما قبله من رسالات أو تسفيهها، بل بإتمامها.
والإتمام يقوم على الإيمان بتلك الرسالات وبأصحابها، ومن ثم بالبناء عليها. ويقوم كذلك على الإيمان بقبول المؤمنين بها ومحبتهم واحترامهم لإيمانهم. وهو ما أكده القرآن الكريم في محكم آياته. وهو ما ترجمه النبي الكريم في أقواله وفي سلوكه ومواثيقه (وثيقة المدينة –التي نصت على ان المسلمين واليهود هم أمة واحدة- ، والعهدة النبوية لنصارى نجران بعد استقبالهم في بيته الشريف في المدينة المنورة –والتي نصت على احترام عقيدتهم ودور عبادتهم- ). ونجد في ذلك كله تفسيراً لقول الله سبحانه وتعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً". (المائدة – الآية 3). بمعنى ان رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تمثل اكتمال الإسلام، لأنه هو خاتم الرسل والأنبياء، ولأن القرآن الكريم هو خاتم كتب الله ورسالاته، ولأنه لا وحي من بعده. وبذلك يكون محمد عليه السلام أول المسلمين بمعنى انه أول مؤمن بالدين الذي تكامل مع الأديان السابقة له وبها. أي ان المسيرة الإيمانية بالله الواحد –الإسلام لله- قد اكتملت بدءاً بابراهيم عليه السلام (هو سماكم المسلمين) وانتهاء بمحمد عليه السلام (وأنا أول المسلمين).
وفي ذلك تفسير لما جاء في القرآن الكريم من: "ان الدين عند الله الإسلام" (آل عمران – الآية 19)، ولما جاء فيه أيضاً: "ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه". (آل عمران – الآية 85).
فلأن المسيرة الإيمانية بالله الواحد وصفت بالإسلام، من ابراهيم وانتهاء بمحمد عليهما السلام، كما بيّنا، فليس من الصواب تحميل هاتين الآيتين الكريمتين أي معنى يخرج أهل الكتاب من الدين وتالياً من الإيمان بالله الواحد.
حاشى لله أن يختار رسولاً أو نبياً، وأن يوحي له بدين يهدي به الناس الى الصراط المستقيم، ثم يختار بعد فترة من الزمن، أو في مكان آخر، رسولاً أو نبياً آخر، ويوحي له بدين يلغي ما سبق؟!
فالدين، الذي يقوم على الإيمان بالله والإسلام له، هو دين واحد. أما الشرائع، فقد شاءت رحمة الله وحكمته أن تكون مختلفة باختلاف الأزمان والظروف والحاجات الانسانية. والجامع المشترك بين جميع رسالات الله، على تعددها، هو الإسلام لله الخالق البارئ الواحد الأحد.
صحيح ان تفسير المسيحية لاهوتياً للوحدانية الإلهية غير مفهوم في الفقه الإسلام ي. وصحيح ان كل ما هو غير مفهوم، يبقى موضع اختلاف، إلا أن الله، والله وحده هو الذي يحكم يوم القيامة بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون.
وهذا يعني انه لا يحق احتكار الإيمان بالله أو اسقاطه عن الآخر المختلف، لمجرد انه مختلف. ولا يحق الادعاء بممارسة دورٍ هو لله وحده في الحكم على ما في ضمير أيّ انسان، له أو عليه .
فالإيمان كما حدده الإسلام هو ما "وقر في القلب وصدقّه العمل" . والله وحده يعرف حقيقة ما في قلب كل انسان. وهو أقرب اليه من حبل الوريد .

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard