بعدما وصل الحقد إلى حرمة الشهداء: جيري ماهر في قفص الاتهام!

31 تموز 2015 | 15:48

المصدر: "النهار"


في ظلّ أزمة النفايات المتفاقمة والتي لم يجد لها المعنيون حلولاً سريعةً تقي اللبنانيين الأمراض الصحيّة، وجدنا أمراضاً أخرى انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي تهدّد صحّة التنوّع داخل البلد الواحد. فقد وجد أحد المغرّدين عبر موقع "تويتر"، ويدعى جيري ماهر، ما اعتبره حلاً لمشكلة النفايات يقضي بطمرها في موقع "مدافن روضة الشهيدين" في الضاحية الجنوبية لبيروت. غير أن من يعرف رمزية هذا المكان – بالنسبة إلى الطائفة الشيعية أو إلى "حزب الله" – يعرف حجم الغضب والردود التي يمكن حلاً كهذا تفجيرها. تغريدات ماهر هوجمت ليس فقط من مؤيدي الحزب وتدخّله في سوريا، بل من كلّ من يعرف قيمة الشهادة ومكانة الشهداء لدى عائلاتهم بغض النظر لأي فئة ينتمون أو في أي ساحة يسقطون.

عُرف عن ماهر، بحسب ما تناقله ناشطون إلكترونيون تعقّبوا حساباته، أنه يعيش في السويد واسمه "دانيال أحمد الغوش" ويدير راديو "صوت بيروت" الإلكتروني. لكن المدعو ماهر لم يمحُ تغريدته المسيئة، إنما برّرها قائلاً "اعتقدت أن المكان (أي روضة الشهيدين) مخصص لدفن –من سمّاهم- قتلى حزب الله". لكن هل تناول موضوع الموتى أو القتلى أو الشهداء باختلاف التسميات والقضايا موضوع مقبول؟ وأين تقف حدود الحرية؟

القوات: لا للإساءة
منذ نشر التغريدة وما تبعها رُبط اسم ماهر بحزب "القوات اللبنانية"، علماً أن هويته واسمه المستعار لا يدلّان على ذلك، أضف إلى ذلك أن نفى انتماءه لأي حزب عبر صفحته في "فايسبوك"، إنما نُشرت له صورة تجمعه برئيسها سمير جعجع كما يظهر علم القوات خلفه في صورة الـ"بروفيل" الخاص به عبر "تويتر". بين هويته المكشوفة وادعاءاته عبر العالم الافتراضي بتأييده لجعجع، ما موقف القوات مما كتبه ماهر؟

في اتصال لـ"النهار" مع رئيس جهاز التواصل والإعلام في القوات، ملحم الرياشي، أكدّ "أن أي كلام يمسّ أي شهيد في أيّ قضية كانت، هو إهانة للقوات نفسها ومرفوض منها جملة وتفصيلاً"، معتبراً "أن أي إساءة تصدر من أي جهة فهي تعبّر عن صاحبها وحده". أضاف "القوات تحترم اللبنانيين كافّة كما تكنّ الاحترام لكلّ شهداء لبنان في أي موقع كانوا، ذلك أنها مؤسسة نشأت على مفهوم الشهادة واستمرت بدماء شهدائها". كما توجّه إلى كلّ الشباب الناشط على مواقع التواصل بضوررة الحفاظ على آداب التخاطب بما يحافظ على صورة القوات والأحزاب الأخرى وصورة لبنان ككلّ.

الشيعة وحدهم؟
تفاعلت تصريحات ماهر أكثر حينما وجدنا له مقابلات أجرتها معه بعض المواقع الإلكترونية. يُتّفق بحسب شريعة إعلامية معيّنة أن تهب الصحافة مساحة لتبرير الفعل. فبدلاً من سؤال ماهر عن أخلاقية تصريحاته المتكررة في حقّ شهداء فئة كبيرة من اللبنانيين، سُئل ماهر عن حجم الردود التي طاولته. وبدلاً من أن يتراجع عن تغريدته المسيئة أصرّ أن يحدّثنا عن رأيه في الحزب وحربه في سوريا. الرأي السياسي وحريّته قضية والشهداء إلى أي فئة انتموا قضية أخرى. كما أن القضاء يحفظ حقّ كل إنسان تعرّض لتهديدات ومضايقات تمسّ أمنه الذاتي من دون اللجوء إلى سُباب ما هو منزّه لدى فئة كبيرة من اللبنانيين.

مثل كثيرين يعترض محمّد على ما شاهده في مواقع التواصل، "لدينا شهداء يرقدون هناك، وأعتقد أن قوانين "تويتر" تمنع الإساءة للأديان والمقدّسات، من يريد أن ينتقد سياسياً له كامل الحرية أما أن يصل به الأمر إلى التطاول على ما هو مقدّس بالنسبة إلى طائفة بكاملها فهذا مرفوض". أما زينب التي يرقد أخوها في روضة الشهيدين فتعتبر "أن من يقدرون على هكذا إساءات فهم أشخاص غير موجودين ولا يستحقون أن نردّ عليهم وأن هذا المستوى في الردّ والتعاطي لا يمكننا النزول إليه".

أليس ماهر حرّاً؟
لا يمكن فصل تباين الآراء ووصوله إلى حدّ الإساءة إلى حرمة الموت من دون الحديث عن ثقافتنا الاجتماعية العامة التي تسمح للفرد بتمرير رسائل كهذه. وفي هذا السياق، يشير الدكتور في علم النفس الاجتماعي نزار أبو جودة إلى "غياب الثقافة الاجتماعية العامة التي تنهي الفرد عن التطرق إلى ما يسيء للآخر وينتهك كرامته"، واصفاً ثقافتنا المتصلة بالتنشئة الاجتماعية بأنها "إلغائيّة" إذ لا يمكننا تقبّل رأي مخالف لرأينا، حيث نعمد إلى إلغاء الآخر فكرياً أو معنوياً أو جسدياً. واعتبر أبو جودة "أن الاعتذار لا ينفع بعد تمرير آراء كهذه من أي مصدر أتت لأنه لا مجال للملمة مفعولها عند الرأي العام".

وعن الحرية غير المنضبطة عبر مواقع التواصل، يقول أبو جودة "إن الموت مقدّس وإن مواقع التواصل سيف ذو حدين إذ أفسحت المجال لمزيد من التعبير عن الحرية إنما في كثير من الأحيان من دون ضوابط أخلاقية ولا قانونية". ويلفت أبو جودة إلى "أن لا ضوابط لردود الأفعال حين يأتي مضمون الرسالة مهيناً لما يقدّسه البعض وأنها تزيد الشرخ والتوتر وتؤدي إلى نتائج لا تُحمد عقباها". كما يؤكد أن مضمون الرسالة المسيء يضرّ بصاحبها وبصورته في المجتمع، مشدّداً "على أهميّة المسؤولية التي يجب أن ترافق ممارستنا حريتنا الشخصية والحريات الإعلاميّة بشكل عام، إذ لا يمكن التلطّي خلف أي منهما لتقديم تبريرات لآراء مسيئة على المستوى الاجتماعي وليس السياسي".

تضيع الحرية، إذاً، بين الرأي السياسي المحض والتعرض لحرمة الموت، وعدم التراجع عن الخطأ بل مضاعفته باللجوء إلى إقفال حسابات افتراضية لبنانية، آخرها حساب المنشد علي بركات في موقع "فايسبوك". كيف لماهر أن يتحرّك بهذه السهولة ويستطيع أن يعد متابعيه بموقعي "فايسبوك" و"تويتر" بإقفال حساب ثم يفي بذلك في اليوم التالي؟ لا تعنيناعلاقات ماهر الدبلوماسية بل يهمّنا أن تبقى الحريّة مصونة –بحدّها الأدنى- في بلدنا من دون اعتماد لعبة كمّ الأفواه من الخارج والتباهي بتلك الممارسات في حقّ لبنانيين.

[email protected]

Twitter: @ildaghssain

هل يسمح الغرب بأن يتّجه لبنان شرقاً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard