الأزمة بنت الفلتان...محاسبة مسببّيها أوْلى من الضيق بالمعترضين

29 تموز 2015 | 22:15

المصدر: "النهار"

تصوير زينة ناصر.

عند كل أزمة سياسية أو أزمة عامة تتعلّق بحياة الناس اليومية وبصحتهم وصحّة أطفالهم، تقوم الدنيا ولا تقعد، ولكن حتى الآن، لم تحرز أيّ منها نتيجة إيجابية تُذكر في حلّ تلك الأزمات، لأنها لا تنتهي الا بتسويات و"تبويس" لحى، طبعاً، بعد دفع أثمان مرقومة تتفاوت قيمتها بحسب خطورة الملف، أو بإعطاء وعودٍ مضمونة التنفيذ بتبادل لإطلاق اليد في ملفاتٍ مشابهة أخرى. وهذا كله يرتبط بالفزع من النتائج التي يمكن أن يؤدي إليها إن حدثت لا سمح الله في حال تفلّت الوضع من أيدي أرباب السلطة الى اصطكاك ركبهم خوفاً على الصيغة.

يشكّل ملف النفايات اليوم، الصاعق الأخطر. فالسلطة القائمة بكل مكوناتها المتحاربة والمتعادية وخصوصاً الفاقعة منها 8 و14 آذار تسعى لتفكيك هذا الصاعق بعناية فائقة، ولكن كلّ على طريقته، وبأسلوب يُمكّنه من استثماره واستغلاله في فضح الفريق الآخر وإضعاف مواقفه وتبيان فساده وتأكيد عدم أهليته للقيادة والتسيّد، أملاً في توسيع رقعة انتشاره في الساحات. وتحقيقاً لذلك، يتجنّد إعلام كل فئة للقيام بهذه المهمة الجليلة، ولا ضير في تحوير المعاني أو المواقف، أو توجيه اتهامات واتهامات متبادلة، او الكذب، او التغاضي، فالخبرة باتت أكبر من أن تجعل جفن القيّمين يرفّ.
لذلك، فإن ملف النفايات ينتظم في السياق العام للأزمات، ويتّخذ موقعاً له في ملفات كل الأزمات، ويُطيّف ويُمذهب كي يسهل الإمساك بالحلول الممكنة، والتي لا تبدو حتى يومنا هذا، ولا حتى في المدى المنظور أنها ستكون مغايرة عن سابقاتها، أو حتى أنها تحمل أو ستحمل مفاجأة ولو صغيرة تكسر الحلقة المُحكمة للصيغة منذ قرنٍ من الزمن.

ما حدث في الأيام القليلة الماضية، يؤكّد فشل الدولة التام في حلّ مشاكلها، ويكشف عن سطحية واهتراء وغباء في فهم دور من تُناط بهم مسؤولية قيادة البلاد، عدا عن عدم وجود تصّورٍ لديهم عن ماهيّة الملفات أو فهمها، فكيف بإيجاد حلول لها في زمن الأزمة؟ فهم يقاربونها أو يحسبونها بقيمة مردودها عليهم بعد اقتسامه وتبادله مع الزملاء. وتحقيقاً لذلك، لا بد من "الفساد" كقيمة غير أخلاقية أو قانونية أن تكون هي القاسم المشترك بينهم. فلم تتفتّق أريحتهم للحلول سوى عن تهريب بعض شاحنات القمامة ورميها في أماكن مأهولة لعدم وجود تصوّر ولو بالحدّ الأدنى لحلّ الأزمة، وهذا بذاته مؤشّر خطير على نوعية البشر المتحكّمة برقابنا.


وبعيداً عن السلطة، ها هي الأزمة تكشف مرة أخرى عن عقم مكونات المجتمع اللبناني برمّته، كونها بغالبيتها تصبّ في الاصطفافات عن وعي أو غير وعي، وعن مشكلة المجتمع المدني كجزء من هذا التكوين. فتحرّكات هذا الأخير، ليست ذات مردود إيجابي نظراً لتشرذمه، مما يضفي عليها طابع الفوضى والغوغائية أحياناً، ويفتح باب انتقادها واسعاً من قِبل المنظّرين الافتراضيين لأنها تصبّ في غير المصلحة المشتركة العامة. ونظراً لقلة عددهم، ولاندساس عناصر غير منضبطة بينهم، تستفرد السلطة بناشطي المجتمع المدني وتلاحقهم، ولو كانوا بمئات الألوف، لما استطاع أحد من السلطة التصويب نحوهم، بل لارتعدت فرائصها. وهذا ما حصل بالأمس عندما تحوّل بعضٌ من الشبّان المعترضين على الأزمة والمطالبين بحلول جذرية للملف على طريقتهم – والتي يمكن وصفها بالصبيانية- واعتدائهم على موكب سيارة رسمية تحمل لوحتها رقماً حكومياً برمي القمامة عليها، أي، كرمز للسلطة المفتعِلة للأزمة، وهذا كثيراً ما يحدث في كل الدول المتطورة التي كثيراً ما يستشهد بها السياسيون، تحوّلوا الى القضاء للمحاكمة!!! في حين ان القمامة تُغرق العاصمة منذ أكثر من اسبوعين، ولم يلاحق القضاء أو يستدعي لا مسبّبي الكارثة ولا شركة "سوكلين"، ولا أيًّا من القيّمين على الملف أو من له علاقة به قريبة أو بعيدة من ممولٍ أومرتشٍ أو ساكتٍ أو مستغلّ أو قابضٍ في ملفات بديلة أخرى، والتهمة هي التطاول على رمز السلطة التي لا يمرّ يوم دون أن تنتهك فيه حياة المواطنين وتذلّهم، وبات المعترض هو المرتكب والمُدان، والمسبّب والشريك في السلطة هو النظيف العفيف، مما يهدي السلطة انتصاراً مجانيّاً هي بأمسّ الحاجة إليه.
أما عن الاستنسابية الحاصلة في عمليات التوقيف والإدعاء، فحدّث ولا حرج. فالأمن والقضاء لا يقرب من مجموعات معروفة غير منضبطة، تعيث فساداً وفوضى جهاراً، خصوصاً في العاصمة، مستهدفة ناسها بأمنهم ورزقهم وحياتهم. فلماذا لا تُسيّر القوى الأمنية والعسكرية دوريات أمنية لتوقيف من يقف فوق جسور مناطق معينة في العاصمة ويزرع الشوارع التحتية بعشرات أكياس القمامة يسدّها بها، لماذا لم توقف الجهات الأمنية أصحاب الدرّاجات المشبوهة التي زرعت محيط دارة رئيس الوزراء ورشقتها بأكياس القمامة؟ أليست المدلولات السياسية والرسائل الهادفة لهذا الفعل، أخطر بكثير من التهجّم على موكب وزير اخترق هو مكان الاعتصام صدفة، ولم يسعوا إليه؟


يفضي التعاطي الرسمي مع هذا الملف الكارثي، كما ردّات الفعل الشعبية الغير المكتملة والغير الممنهجة ضمن إطار محدّد هادف، الى إفراغ هذا الملف من مضمونه السياسي والاجتماعي والصحي والبيئي، لا بل يزجّه في ملعب الطائفية والمذهبية، الملعب حيث لا يستطيع أحدٌ أن يغلب السلطة فيه.
وهنا يُطرح السؤال، لماذا يُسيّس ملف النفايات على أساس طائفي ومذهبي ومناطقي وهوّياتي ولمصلحة من؟ ومتى سيعي اللبناني أن بلده الصغير هو بلد واحد، وأن عاصمته هي مرآته التي تعكس وجهه وحقيقته، متى سيعي مصلحته كمواطن حقيقي له دورٌ أساسي في المجتمع، ويجعل هذه المصلحة أولوية تطغى على أولوية الطائفة والمذهب والزعيم؟ ولماذا لم تحرّكه النفايات المزروعة في كلّ شارع وحيّ في اعتصامات مليونيّة معهودة حصلت سابقًا؟ ولماذا هذا السكوت على تسييس هذه الكارثة بكل تداعياتها البيئية والصحيّة والأهمّ، الاخلاقية وتحميل المسؤوليات وتبادلها بين 8 و14؟


إنه إثبات إضافي لفشل هذا الكيان بشعوبه وسياسيّيه وبطبقته المثقّفة المنقسمة بين الفريقين، كما لأحزابه العلمانية المحتضرة، وللمجموعات العلمانية والمدنيّة فيه التي لم تستطع إيجاد مشتركٍ عامٍ واحدٍ فيما بينها تنطلق منه منبراً لها، فالبعض منها آثر العودة الآمنة الى الجذور المذهبية، والبعض الآخر لا زال يعيش في أوهام الماضي، وبعضٌ تنحّى، ومجتمع مدني متشظٍّ ومنقسم وغير متكافئ ( وهذا موضوع آخر)، أما الأحزاب والتيّارات الطائفية، فهمّها في مكانٍ آخر بعيد تماماً عن همّ الوطن والمواطنين، فهي إما منشغلة في وحول حروب المنطقة، وإما تبحث عمّا يبقيها حيّة.
سيبقى الكيان وناسه يُحتضرون كما تحتضر عاصمته، وستبقى الحلول والمواجهات عقيمة، طالما بقيت المواطنة غائبة، فبالمواطنة وحدها يمكن إحداث التغيير... والى أزمة آتية لا محالة.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard