هزمتنا نفاياتهم دون قتال

29 تموز 2015 | 14:37

المصدر: "النهار"

في الأمس القريب كانت كلّ عائلة من عائلات بيروت القديمة تتخلّص من نفاياتها بنفسها، فكان يعمد البعض إلى طمرها في الأرض، فيما كان يسارع البعض الآخر إلى رميها في مكان أو زاوية بعيدة من التجمّعات السكنية. إذ كان حجم النفايات منذ عقود، ضئيلاً جداً، ولم تكن بيروت حينذاك تعاني مشكلة استيعاب هذا الكمّ الهائل من النفايات التي يجتاح شوارعها اليوم. ولكن مع ازدياد عدد السكّان تدريجاً، ارتفعت حاجات المواطن ومعه ازدادت كمية النفايات التي بات صعباً التخلص منها، وباتت هذه الأخيرة جبلاً متراكماً من الأوساخ والنفايات لم يعد سهلاً إيجاد مكان لها. وبينما كانت كلّ منطقة لبنانية تعمل على معالجة مسألة النفايات بنفسها نظراً لقلّتها، ظهرت منذ بضع سنوات الشركات المعروفة باسم "سوكلين" و"سوكومي" مثلاً، والتي تولّت إدارة النفايات وإزالتها وطمرها. إلاّ أنّ الوضع الذي خرج عن السيطرة أخيراً، يجعل بعض الأشخاص الكبار في السن يستذكر أزمة النورماندي. النورماندي كانت مكبّاً للنفايات في بيروت، وهو اليوم "الزيتونة باي" التي كانت تقع وقتذاك في قلب المكبّ. استمرّت النورماندي في حمل راية مكبّ نفايات بيروت، إلى أن تغلغلت النفايات في البحر وجاءت شركة سوليدير لإنقاذ الوضع مستفيدة من تراكم الكمّيات الهائلة من النفايات في البحر، فبدأ الردم على أساس مكبّ النورماندي.

في هذا السياق، يستذكر أحد أفراد الجيل القديم لـ "النهار"، أنّ النورماندي ولّد في ذلك الوقت بلبلة كبيرة في البلد، نجم عنه أزمات نيابية ووزارية وصحافية. فما تشهده شوارع بيروت اليوم من أزمة نفايات ليس سوى تتمّة لأزمة النورماندي، إذ شهد الوضع أخيراً انفجاراً سياسياً ومدنياً وحتى صحافياً، حتى انشغل الجميع بمسألة النفايات، كما لو لم يكن ينقصنا غير هذا الأمر لتكتمل الصورة مع الوضع الأمني والسياسي والمعيشي.


بتنا نستفيق فنتنشّق رائحة نتنة لا تنبعث فقط من نفايات بل من خياراتنا السياسية أيضاً. من هم هؤلاء المسؤولون العاجزون عن حلّ أزمة بسيطة كأزمة النفايات؟ ما الأسس أو المعايير التي يتبعونها في التفكير والتخطيط للمستقبل القريب والبعيد؟ ما المنظار أو الأفق الذي ينظر فيه السياسيون إلى هذا الوطن الذي أنهكته المشكلات والأزمات حتى بات يختنق من الروائح الكريهة؟ وما صمت السياسيين وعجزهم سوى وسيلة للضغط على المواطن وإسكاته والإمعان في قمعه أكثر! فيهلع المسكين إلى متاجر الصيدليات لشراء الكمامات للاحتماء، فيلاحظ أنّ أغلبها قد فُقد، فيضع ما توافر ليقيه تلك الروائح المشمئزة، يسير متوجهاً إلى عمله، إلى منزله، إلى الأسواق... وهو صامت! أليست هذه وسيلة لإسكاته نظراً إلى تضائل كميّة الأوكسيجين في الهواء؟ تلك الكمامات، تلك المناديل، تلك الحجج والبراهين ليست إلا كاتماً للصوت!


ومساء، يصبح بعض الشوارع التي غالباً ما تكون مكتظة صحراء يسودها الصمت والسكون، وتملأها تلال النفايات. الموت في كلّ مكان. حتى القطط من شدّة الرائحة النتنة والأوساخ المتراكمة لم تعد تقترب أو تجتمع عند القمامة. ولتزداد روعة المشهد، نستيقظ في صباح اليوم التالي كالآليات المبرمجة على نمط حياة معيّن، فيوقظنا فجأة من ثباتنا العميق، زمامير الدراجات النارية التي تسير مجموعات في وسط بيروت، فيرمي أصحابها الأبطال بكلّ ثقة النفايات في الشوارع ويطلقون معها المفرقعات تعبيراً عن البهجة والغبطة والسرور التي تعمّ الأرجاء... والأجمل والأهضم، ذلك الشرطي الذي يشاهد من كثب ما يحصل ولا ينبس ببنت شفة! يا له من أمر مضحك ومعيب! خرجت الأمور عن السيطرة بشكل رسمي، وبات كلٌّ يغنّي على ليلاه.


أمن الممكن أن تكون هذه النفايات، نفايات الأمل، فتجيّش الشعب ليثور على مسؤوليه المتقاعسين عن مهامهم ووظائفهم، والتخلّص من هذه القمامة النتنة التي ما زالت تتحكم بنا منذ ثلاثين سنة، منذ أيّام تلك الحرب اللعينة التي تستمرّ في الطرق على أبوابنا؟ عموماً، إنّ هذه النفايات المبعثرة هنا وهناك، هي خير دليل على فشل هذا الطاقم السياسي الذي تراكمت أخطاؤه حتى أصبحت كزبد البحر، وما زال يحتفظ بأنانيته ويزداد تشبّثًا بتلك المقاعد الواهية الرخيصة. بعض الأنامل السحرية تحوّل النفايات إلى فنّ تشكيلي راق، فيما يحتار المسؤولون أيّ منطقة سيختارون لرمي النفايات فيها: عكار مثلاً... "هلّأ تذكروها؟!" ولأننا شعب يهوى الضحك، نبسّط الأمور بروح الفكاهة والنكتة. صور على "فايسبوك" مع الزبالة، هذا ما كان ينقص الشبكة بعد! نحن نضحك ونعترض ولكننا لا نحاسب. لم نحاسب ملوك الطوائف على جرائمهم التي ارتكبوها أثناء الحرب الأهلية، ولم ولن نحاسبهم اليوم على جرائمهم البيئية وحقوقنا المدنية والصحية التي يسلبونها منّا يوماً بعد يوم.


كلاّ، لبنان لم يعد بلد الحريّات والانفتاح والاستقلال، لأنّ مواطنيه الجبناء جعلوا منه مرآة للمظاهر وموطنًا للشهوات والسهر والسمر فقط لا غير.

yara.arja@annahar.com

Twitter: @Yara_Arja

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard