ربيع كحيل: أنت المذنب!

29 تموز 2015 | 14:23

المصدر: "النهار"

منذ أسبوعين، هزّ الرأي العام اللبناني حادثة قتل المواطن #جورج_الريف في بيروت. الريف الذي لاحق #طارق_يتيم بسبب خلاف على أحقيّة المرور، فاستدرجه الأخير إلى مربّع ينفّذ فيه جريمته بسهولة، وطعنه 17 مرّة في أنحاء مختلفة من جسمه حتى الموت. طعن صاحب السوابق الإجراميّة الريف من دون رحمة، لكمه وركله حتى كسر جمجته وشوّه وجهه فأرداه قتيلاً، تاركاً وراءه زوجة وأربعة أولاد. يومها حمّلت أجهزة أمنيّة الريف المسؤوليّة، لماذا نصّب نفسه مكان الدولة؟ وكيف يلحق بشخص مخالف للقوانين؟ لماذا لم يتصل بالأجهزة الأمنيّة المعنية؟ وكأنها لبّت يوماً نداء النجدة قبل موت الضحية...

بطل عرسال ضحية الأمن المتفلت
بعد أسبوعين، مصيبة جديدة في سجل شوارع لبنان، ولكن بسيناريو مختلف وأبطال جدد. الضحية الجديدة هو المقدّم في فوج المجوقل #ربيع_كحيل الذي تعرّض لإطلاق نار مساء الاثنين في بدادون. كحيل الذي لم تقوَ عليه رصاصات الغدر والإرهاب في #نهر_البارد و #عرسال، اخترقت جسده رصاصات الإجرام والأمن المتفلت والسلاح السائب والحقد السياسي.

كان يقف كحيل في بدادون في طريقه إلى القماطية حيث يسكن، تقدّم منه جيب أسود يستقلّه اثنان، أحدهما ابن رئيس بلدية والثاني قريبه. استفزّهما وقوفه على الطريق العامّ، فربّما اعتبراها ملكاً خاصاً بهما. أخبرهما أنه ضابط في #الجيش_اللبناني، لكن لم يرق الأمر لهما، طلبا بطاقته ثمّ مغادرة منطقتهم. لقد تطاول هؤلاء على الوطن وحماة الأرض، أهانا الشرف والكرامة اللبنانيّة، ولم يكتفيا بذلك، تهجّم أحدهما عليه، ردّه كحيل عنه، فما كان من الثاني إلّا أن أطلق خمس رصاصات متفجّرة على قدميه، وهربا. بقي البطل مرمياً على الأرض لفترة من الوقت من دون أن يلتفت إليه أحد من المارة. نزف كثيراً قبل مجيء الإسعاف ونقله إلى المستشفى.

صباح اليوم استشهد المقدم البطل بعدما مكث في غرفة العناية الفائقة ينازع ويصارع الموت، فيما زوجته تكابر وتصلي على أمل أن يعود البطل إلى البيت بهيبته وضحكته وطلّته الأبية، ويحتضن وحيده. البطل الذي أصيب في #عيد_الجيش المنصرم خلال معارك عرسال، عضّ يومها على جراحه وبقي في أرض المعركة حتى اسُترجعت ثكنة 38 من يد إرهابيين ومرتزقة، لكنّه اليوم ارتكب ذنباً عظيماً عندما حاول ردّ زعران الداخل عنه، أصيب ونزف حتى الشهادة. مذنب لأنه لا يعلم أن لا دولة واعية تستردّ حقّه، أو تموّل مؤسّسته العسكريّة أو تحرّر رفاقه الأسرى أو تعاقب قتلة رفاقه الشهداء، وأن لا شعب يتحرّك عندم تنتهك كرامته. البطل ربيع كحيل مذنب لأنه دافع عن ما بقي لنا، دافع عن الكرامة وعن البزّة العسكريّة وعن منطق ومفهوم الدولة.

"ابعُد عن الشرّ وغنيلو": شعار المرحلة
حوادث أسبوعيّة أفقدت اللبناني ثقته بدولته، أدخلته في دوّامة من الخوف على حياته، بات راضياً بالفقر والصفقات التي تمرّر على حسابه، جلّ ما يريده هو العيش بأمان، أن لا تخطفه رصاصة طائشة، أو أن ينال منه أحد زعران الدويلات الخارجة عن سلطة الدولة وسطوة القانون، مواطن رفع شعار "ابعُد عن الشرّ وغنيلو" للمرحلة المقبلة، مواطن لم يعد يتجرّأ على الدفاع عن نفسه خوفاً من الموت. فكيف تفسّر هذه الحال من الهلع الجماعي؟ وما هي أسبابها؟

"القضية ليست مرتبطة بحريمة واحدة أو اثنتين، وإنّما بتراكمات عدّة نتيجة مجموعة جرائم، لم تنجم عن اقتصاص فعلي من المجرمين، فإمّا هربوا انطلاقاً من قواعد سياسية أو قضائيّة، أو سوّفت محاكماتهم، أو حصلوا على إطلاق سراح غير مشروط"، وفق ما يؤكّد الاختصاصي في علم النفس العيادي الدكتور نبيل خوري لـ"النهار"، ويتابع: "لقد أصبح الناس، نتيجة هذا الوضع، في حال من اليقظة والقلق والخوف، لأن معركة "الآدامي مع الأزعر" خاسرة ، وتالياً أصبحوا يتحاشون القيام بأي ردّة فعل قد تعرّضهم لخطر، خصوصاً أن أحداً لن يحصّل له حقوقه أو يربي أولاده أو يعالجه".

أمّا الأسباب فهي ثلاثة وفق خوري: "أولاً كون الدولة فقدت كلّ صدقيّتها عند فئات الشعب، وباتت كثير من أجهزة السلطة متسلّطة، ولم يعد هناك مكان للعدالة. ثانياً بسبب تسييس وتطييف القضاء وسطوة رجال السياسة عليه بحكم المحاصصة الطائفيّة المتحكّمة بقراراته. وثالثاً نظراً لوجود ثغرات في قانون العقوبات وأصول المحاكمات الجزائيّة فيحتال البعض على القوانين ويحوّلونها إلى صالحهم ما يؤدي إلى مماطلة وتأجيل تنفيذ العقوبات. أسباب جعلت العدالة في لبنان والأحكام التي ترافقها مجتزأة، فأصبح المجرم غير خائف. وعوض أن تكون العدالة رادعاً للمجرمين الآخرين كي لا يتمادوا بجرمهم، أصبحت حافزاً لهم، لأنهم يدركون أنهم قادرون على النجاة والإفلات بفعلتهم بحكم الظروف التي يعيشها البلد. لذلك الجريمة مستمرّة وستظلّ حتى أجل غير مسمّى".

ويختم خوري: "الحلّ يكون بإعادة تفعيل أجهزة الدولة والقضاء لمعاقبة المجرمين والقتلة بدل التأجيل والمماطلة في إصدار الأحكام، وأخد مواقف قضائيّة وأمنية وسياسيّة حازمة تثبت مفهوم الأمن والاستقرار والعدالة وتشجّع الناس على ممارسة دورها في شكل طبيعي، أمّا إن لم يتغيّر شيئاً في الموضوع أو في حال آل الوضع إلى منحى أكثر سلبيّة، فإن ردّة فعل المواطنين الخجولة والخائفة والمتردّدة إلى ازدياد".

إرشادات أمنيّة
للقوى الأمنيّة ارشاداتها للمواطن على الطريق بعدما كثرت الحوادث التي يذهب ضحيّتها مواطنون نتيجة التفلت الأمني وسطوة الفكر الميليشياوي في لبنان. بحسب القوى الأمنيّة على المواطن أن يلتزم بالقانون بداية، وأن لا ينصّب نفسه مكانها في الحفاظ على الأمن، فعند حدوث أي طارئ على الطريق عليه أن يأخذ رقم السيّارة المخالفة وتزويد القوى الأمنيّة به للقيام بواجباتها. كما على المواطن أن يفسح الطريق أمام أي شخص يقود بسرعة، فقد يكون موكباً سياسياً أو أمنياً أو مريضاً، وفي حال كان مخالفاً فهناك رادارات ستسبره وتسطّر بحقّه الغرامات المناسبة. والأهمّ أن لا يقوم المواطن بمطاردة أي سيّارة فهو بذلك يعرّض نفسه ومن على الطريق للخطر، كما أنه يخالف القانون بسبب سرعته الزائدة خلال ملاحقة السيّارة المخالفة.

بعد أيّام يحلّ عيد الجيش، بعد أيّام تمرّ السنة الأولى على معارك عرسال وخطف العسكريين، ومع كلّ يوم يمرّ تزداد غيبوبة الدولة ونومة الشعب، لا من يُحاسب على تردّي الاقتصاد، وتفاقم الصفقات واستشراء الفساد، وتراجع الأخلاق والقيم، وازدياد أزمات التلوث والسلامة العامّة، وغياب الإنماء والخطط المستقبلية لبناء الدولة... أيّام تمرّ وسنون تمضي ولبنان المزرعة باقٍ ويتمدّد...

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard