هل تنقذ السويد لبنان من أزمة النفايات؟

28 تموز 2015 | 21:13

المصدر: "النهار"

تصوير حسن عسل.

"طمت" النفايات شوارع العاصمة بيروت والمناطق من الشمال لفترة زادت عن الأسبوع، ودخل لبنان في دائرة الضوء العالمية والشهرة، ولكن هذه المرة ليس من بوابة أكبر صحن حمص، أو سندويتش شاورما، أو إبريق ليموناضة، بل من أنتن رائحة لأطنان النفايات التي اجتاحت شوارعها وأغرقتها.

منذ الطائف، وبعد أن عادت الدولة تدريجياً إلى المناطق المنقسمة، غابت كل استراتيجيات النفايات لمصلحة مركزية "سوكيلنية" شاملة، فرضتها الدجاجة التي تبيض ذهبًا، وقيام المعنيين بإشباع الطقم السياسي، فسكت الكل عن الكل، علماً أن الكل كان يأخذ ما يرضيه من جبنة النفايات، وهو يعلم في الوقت عينه، أن تلزيم النفايات بسعر يفوق بعشرات الأضعاف الكلفة العالمية هو "فساد شرعي".


انفجرت أزمة النفايات مع بلوغ مطمر الناعمة الذي ابتلع أكثر من عشرين مليون طن من النفايات حد التخزين الأقصى، ما جعل الأهالي يعتصمون ويتظاهرون رفضًا، فأقفل رمزياً ليعاد فتحه، وأدت الاتصالات إلى تمديد العمل لستة أشهر، على مبدأ أن الأهم هو إقرار لامركزية النفايات، أقر المبدأ، ولكن شيئًا لم ينفّذ، إلى أن أقفل المطمر في السابع عشر من تموز، مسبباً عجقة "زبالة" لا مثيل لها.
النفايات ما هي إلا وجه يظهر، لما يخفى من أزمة نظام، والشعارات والتعابير الطائفية والعنصرية التي رافقت إقفال المطمر في المرة الأولى تشير إلى مكنونات الوضع السياسي، وهشاشة العقد السياسي بين مختلف الأطراف، باعتبار الجميع يريد الجميع شريكاً في الخسارة، ولكنه لا يرتضيه شريكاً في الربح على طريقة رابح رابح.


بدأ تقاذف الاتهامات، فالاتهام السياسي في هذا الملف سهل، لكن الواقع هو أن الكل يتحمل المسؤولية السياسية عما وصلت إليه الحالة، ضمن مبدأ استمرارية الحكم، وبالتالي، كلّما مرّت ساعة، وحملت معها أطنانا إضافية من النفايات إلى المكبات العشوائية، كلما زاد سطوع الكاميرات التلفزيونية المسلطة إلى وجه الحكومة، تحملها مسؤولية ما حصل من جريمة بحق صحة المواطنين اللبنانيين وأمنهم الاجتماعي.

الحل ليس مستحيلاً، ضمن مبدأ لامركزية النفايات، يعهد إلى المحافظين واتحادات البلديات إيجاد الأراضي المناسبة في حدود كل قضاء لتسبيخ وفرز ومعالجة نفاياته، بالمقابل، فإن نفايات بيروت الكبرى والبالغة نحو ألف طن يوميا، يتم التعاطي معها عبر فرزها من المصدر، وإعادة فرزها في الكرنتينا، على أن يتم ترحيل النفايات المفروزة عبر البواخر إلى السويد أو غيرها من الدول التي تستورد النفايات لتعيد تدويرها وصناعتها واستعمالها، واستخدامها في صناعة السماد الطبيعي وصناعات إعادة التدوير، وتوليد الكهرباء وغاز الميثان، لأن هناك الكثير من الاستعمالات التي يعجز العقل السياسي اللبناني عن التفكير بها، فالسويد مثلاً، وفق مصادر مختصة، تدفأ أكثر من 950 ألف منزل باستخدام النفايات، وتضيئ 260 ألف منزل أيضا، وهي تدفن فقط 1 بالمئة من نواتج النفايات، إذ تعيد تدوير سبعة واربعين بالمئة من نفاياتها، وتستخدم إثنين وخمسين بالمئة في توليد الطاقة بصور مختلفة، وقد استوردت 800 ألف طن من النفايات عام 2014، و550 ألفا لغاية آذار 2015.


وتضيف إن بالقليل من الديبلوماسية نستطيع معالجة وتدبر أمر نفايات العاصمة لمدة غير قصيرة، علما أن تركيب معامل فرز في جميع المناطق لا يحتاج لأكثر من ستة أشهر، وإذا استطاعت الحكومة اللبنانية التفاهم مع الحكومة السويدية، فإن باخرة كبيرة الحجم تستطيع حمل مئة ألف طن من النفايات، ومع ألف طن يوميا من النفايات في العاصمة، فإنها بحاجة إلى أكثر من ثلاثة أشهر لتمتلئ بالنفايات. مشيرة إلى الرفض القاطع لما تقوم به الحكومة وتطرحه من ملفات فير قابلة للصرف، ومنها نقل النفايات تحت جنح الظلام إلى اللامكان، في حين تفوح رائحة الصفقات والتقسيمات والعمولات العفنة من النفايات المكدسة، مؤشرة إلى أن "تحت السواهي دواهي.


ولفتت إلى أنه لا يجب فصل ملف النفايات عن ملف استعمالاتها المتاحة، ومنها توليد الطاقة، فاللبنانيون يتوقون إلى تجربة تشابه تجربة كهرباء زحلة، كما أن التقنيات الحديثة تجعل من النفايات القابلة للتدوير مفيدة لإعادة الاستعمال، بالتالي، فان قراراً سياسياً فاعلاً سيعيد الاعتبار إلى المنتجات الموضبة في العلب والقوارير القابلة لإعادة التدوير، واستطراداً، فإن التسبيخ والفرز سيزوّدان الصناعة اللبنانية بالكثير من الحلول العملية الرخيصة الثمن لزوم صناعاتها.
وفي الرأي العلمي ايضاً انه من غير المنطق أن تفرض على الناس مكبات في مناطقها، لهذه النفايات، فمنطقيا، لا بد من حوكمة محلية، لأن الطبيب الغريب لا يعرف المرض البلدي. والحكومة لا تستطيع أن تفرض على أبناء منطقة لبنانية مكبا أو مطمرا، ولكن شيخ البلدة، أو مجلسها البلدي، أو خوري الرعية، قد تكون حظوظه أكبر بكثير من قرار ممهور بتوقيع 24 رئيس، بالتالي ايضا، لا يستطيع متعهد نفايات من بيروت أن يفرض على المواطنين تحمل نفايات منطقة أخرى، في حين قد يتمكن إبن المنطقة من إيجاد مساحة ملائمة لمشروع نظافة صحي "نظيف"، من هنا، فإن الآلية التي اعتمدت في استدراج العروض كانت تشي بأن الشركات التي ستلزم ستكون تابعة لزعماء المناطق، وبالتالي، "قادرة تمون".
الملف إذاً مناطقي، سياسي بامتياز، الكل شريك في رمي النفايات، في حين تحاول بعض الأطراف تصوير أنفسها "سوبرمانات" الحلول العاجلة، والكل يعلم أن أي حل، إن لم ينطلق من مقاربة علمية وموضوعية وبيئية، سيكون فشلا مريعا، وسيفاقم الأمور ولن يحلها. من هنا كانت دعوات تجمعات المجتمع المدني بأن ترحل الحكومة، وتسلّم الملف إلى "من يتقن صناعة الخبز".

 

هذا الخبز الصحي لم تتذوقوا له مثيلاً

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard