الأسباب الثلاثة التي دفعت طارق يتيم إلى قتل جورج الريف

21 تموز 2015 | 17:15

المصدر: "النهار"

لم يكن يدرك جورج الريف أن ملاحقته طارق يتيم ستقوده إلى الموت، وأن ثماني دقائق من الغضب أو ربّما القرف من انعدام الأخلاق ستكلّفه حياته. وقع الإشكال على أحقيّة المرور على طريق المطار، أراد يتيم أن يمرّ، لكن لم يسمح له جورج بذلك، فصدم سيّارته ودفعه للحاق به، استدرجه إلى الصيفي، إلى مربّع ينفّذ فيه جريمته براحة، لكن كاميرات إحدى الفنادق المجاورة وثّقتها وعرّفتنا، بصورة لا تقبّل الشكّ، إلى وحش اجتماعي يعيش بيننا، ارتكب جرائم كثيرة ونفذ منها دون عقاب.

بعد ملاحقة لم تتخطَّ الدقائق، فجأة توقف يتيم واعترض طريق جورج في الصيفي. نزل من سيّارته وضربه وطعنه بسكين. ركض جورج هارباً، لكن قدميه خانتاه، تعثّر فكان تميم له بالمرصاد، طعنه ثانية في خاصرته، قاوم جورج أوجاعه وحاول الهروب، فوقع مجدّداً وتلقى طعنة ثالثة في الوريد الأساسي. طعنه يتيم 17 مرّة، طعنه برأسه دون رحمة، وأجهز عليه باللكمات والركلات. تحطّمت جمجته وتشوّه وجهه، تحوّلت الأولى 35 قطعة والثاني 54 قطعة عظام متباعدة. أصرّ يتيم على إتمام جريمته، قتل جورج الذي "رفض التنحّي له، وبلغت وقاحته حدّ ملاحقته وشتمه"، بحسب ما قال في التحقيق معه. فعلاً ألا يعرف جورج من هو طارق يتيم؟ ألا يعرف بأي بلد يعيش؟ كيف يتجرّأ ويلاحق مجرماً لم تقوَ عليه سلاسل العدالة؟ بأي حقّ يقف في وجهه؟ فعلاً إنها لوقاحة.

هذه دوافع تميم الجرميّة!
قام يتيم بفعلته مساء الأربعاء، ترك مسرح الجريمة ورحل، وكأنه لم يقتل روحاً بشريّة. شرب العصير وأكل الشوكولا في متجر مجاور من دون ندم، ثمّ توجّه إلى منزله ونام ميّت الضمير، إلى أن أُلقي القبض عليه فجر اليوم التالي. عادةً تُقضُّ مضاجعنا بمشاهد أقل حدّة، تهتزّ نفوسنا عند رؤية حيوان يتألّم، فكيف بتلك المشاهد القاسية؟ لماذا نفّذ يتيم جريمته ببرودة أعصاب؟ لماذا لم يرف له جفن؟ لماذا لم يتراجع دقيقة عن إتمام جريمته؟ كيف لم يعترف بندمه؟ وكيف تفاخر بفعله واستخفّ بجريمته؟

الأسرة، والمدرسة، ووسائل الإعلام والمجتمع؛ ثلاثة أسباب رئيسيّة تكمن وراء هذه التصرّفات الوحشيّة، بحسب ما يؤكّد الخبير النفساني المحلّف لدى المحاكم الدكتور روجيه بخعازي لـ"النهار": "تلعب هذه الأسباب دوراً رئيسياً في تكوين شخصيّة الفرد والتأثير على تصرّفاته. وتحت هذه العنوانين تبرز عناوين ثانويّة".

بحسب بخعازي، يتأثّر الفرد في أسرته بسوء التربية، وغياب التوجيه والمراقبة، والتدليل الزائد أو العنف الزائد، إضافة إلى انشغال الأبوين بعملهم أو بهواياتهم. أمّا في المدرسة فتتكوّن شخصيّته العنيفة بسبب الحريّة المطلقة أو المراقبة المشدّدة، وإهمال الجوانب النفسيّة والصحيّة بحيث يعتبر البعض المدرسة زريبة للأطفال فيربّونهم كحيوانات لا بشر، كما أن الإحباط الذي يتعرّض له يولّد لديه مشاعر الانتقام، إضافة إلى التمييز بين الطلاب. ونصل إلى ما يكتسبه الفرد من المجتمع ووسائل الإعلام، حيث تغيب ثقافة المواطنة، وحيث تمجّد قوّة الأفراد وطرق الانتقام التي يتبعونها فيتمثل الفرد بهم وبطرقهم، كما يبرز التناقض بين الواقع والمثال خصوصاً عند عرض مشاهد الإجرام التي تزيد الاشمئزاز منها أو حبّ الانتقام منها باتباع الطرق نفسها، إضافة إلى تمجيد النجوم وخصوصاً أولئك الذين لديهم سلوكيّات اجتماعيّة شاذّة. كما يتأثر بثقافة المجتمع السائدة، في لبنان كثيراً ما نسمع عبارات تحوّلت معياراً للعيش، مثل "لتصبح غنياً إسرق"، "الشاطر بشطارته"، "قوّصو وطلاع ع البيت"، فيتعلّم السلوكيّات غير السليمة في الشارع، إضافة إلى ذلك، هناك الافتقار إلى الطاعة والانضباط والنظام وتدخّل الوساطات، ما يولّد انخفاضاً في مستوى الذكاء الاجتماعي لدى الفرد أو يخلق لديه رغبة في المجازفة والانتقام محلّلاً لنفسه كلّ الممنوعات.

من شبّ على شيء شاب عليه
هل من الضروري توافر كلّ هذه العوامل والأسباب لدفع الفرد إلى ارتكاب جريمة وحشيّة مثل التي شهدتها محلّة الصيفي وكان ضحيتها المواطن جورج الريف؟ في حالة يتيم ليس من الضروري توافر كلّ هذه العوامل، لكن الأكيد هو وجود عامل واحد على الأقل ضمن الأسباب الرئيسيّة، عامل تأثر فيه يتيم من العائلة، وآخر من المدرسة، وثالث من وسائل الإعلام والمجتمع. ويضيف بخعازي: "ليس مستحيلاً أن يسير يتيم وأمثاله على درب صحيح، ولكنه أمر صعبٌ جداً، فمن شبّ على شيء شاب عليه، فهو أصبح شاباً ولم يعد مراهقاً، وما زال يفتخر بأعماله ولم يندم عليها، كما لم يأنّبه ضميره ولم يردعه عن النوم براحة وسلامة، لقد قال حرفياً خلال التحقيقات "من قال له أن يقف في دربي، ممنوع حدا يوقف بدربي"، واضح من كلامه أنه لم يتقبّل حتى حضور الضحية فقتله".

أمّا القول إنّ المخدّرات التي يتعاطاها دفعته لارتكاب الجريمة فهو عذر غير علميّ، قد يستند له البعض لتخفيف العقوبة، ففي حالة يتيم، في حال ثبت في الفحوص الطبيّة تعاطيه المخدّرات، يؤمل من ذلك تخفيض العقوبة من الإعدام والمؤبد إلى 15 سنة في السجن، ويقول بخعازي: "كثيرون يتعاطون المخدّرات ولكنّهم لا يقتلون روحاً بشريّة، قد ترفع المخدّرات نسبة ارتكاب الجرائم ولكنها ليست السبب في ذلك، وإنّما العوامل الثلاثة المذكورة التي يكتسبها الفرد من الأسرة والمدرسة والمجتمع، وتتجذّر في نفسه. نحن نكبر وفق ثقافة خاطئة أساسها التربية".

ذكر لم يرتقِ إلى الرجولة
هل يتيم وحش اجتماعي؟ يردّ بخعازي: "طارق يتيم ومن يماثله بالأفعال الجرميّة، هو ذكر لم يرتقِ إلى مرحلة الرجولة. الإنسان كما الحيوان يخلق ذكورياً، الإنسان لديه القدرة من خلال التنشئة الاجتماعيّة وتحكيم العقل أن يصبح رجلاً، أمّا الحيوان فيخلق ذكراً ويموت ذكراً. الحيوانيّة التي يملكها الحيوان وأي ذكر تدفع الفرد إلى ارتكاب السلوكيّات المشينة مثل القتل والاغتصاب. في الدول المتقدّمة، عندما يكرّر الفرد الجرم نفسه مرّات عدّة يدخل إلى السجن المؤبّد، أمّا في لبنان، فمن يرتكب الجرم نفسه مرّة يعاقب كما من ارتكبه مرّات عدّة".

وينهي بخعازي: "الإعدام لا يردع الجريمة، والدليل الأرقام الصادرة عن دول تنفّذ عقوبة الإعدام وما زالت نسبة الجريمة فيها مرتفعة. إن الرقابة والتشدّد في العقاب أمران ثانويان يزيدان من الانضباط في الدولة، لكن الأساس يكمن في تحقيق العوامل الثلاثة الأساسيّة، يضاف إليهم وجود الدولة".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard