السياسة تغلب الدين والجنس والكلّ يُصفِّق!

11 تموز 2015 | 23:32

المصدر: "النهار"

سلاف فواخرجي في مشهد من مسلسل "بانتظار الياسمين" (عن "فايسبوك").

غريبٌ أمر هذا الموسم الرمضاني، كأنّ كلَّ مسلسلٍ فيه يُغنّي على ليلاه وآه من الليالي. نفتقد وحدة عضوية تضبط فوضى الموضوعات وعشوائية طرحها، حتى لا يظهر أنّ الغاية فقط صبُّ الأعمال على رمضان. ليس القصد نَقْد التعددية وتنوّع القصص. ذلك مطلوبٌ، لولاه لفاضَ ملل المُشاهد. نتساءل عن عنوان الموسم وقضيته الكبرى، وما النفع من غزارة المسلسلات؟ يبدو واضحاً أنّ الهَمّ الرئيسي تصريف الأعمال الدرامية وتأمين جماهير تُشاهد. يبتعد الإنسان من كونه القضية، وتشطح المسلسلات في اتجاه يؤمّن لها مردوداً تحلم به. الأولوية للمطاردة والمواجهة وما قد ينضوي في الصُنف "الاجتماعي" كخيانة الأزواج.

تسيطر- على رغم الانطباع الهجيني- ملامح الجَوّ السياسي. مسلسلات أغرقت السياق بأبعاد سياسية منها المباشر ومنها المُختبئ خلف إصبعه. السياسة عنوان الموسم وإن فضَّل البعض جُملة أكثر شاعرية: الإنسان في الجحيم السياسي. مسلسلاتٌ مثل "غداً نلتقي" ("أل بي سي آي") و"بانتظار الياسمين" ("دبي") يُمعِنان في الواقع المأزوم إنسانياً وسياسياً حيث لا مجال لسلخ الفرد عن خراب جماعته. عملان لا يخشيان التُهمة السياسية، وإن تعمَّدا تفادي الإشارة بالاسم إلى الجناة. "أستاذ ورئيس قسم" ("أم بي سي") يمثّل الاتجاه عينه ضمن مسارٍ مختلف. مقاربة المسلسل ثورة "25 يناير"، فَرَضت تداخلاً سياسياً اجتماعياً دينياً يكفل الواقعية رغم فنتازيا المواقف. عملٌ يجاهر بخطّه السياسي ولا يدّعي الحفاظ على مسافة من المتغيرات، طارحاً الخليط المصري بشقَّيْه اليساري والإسلاموي، وكيف أحالت الثورة أبناءها على التديُّن والتخوين. "حارة اليهود" ("سي بي سي"، "دبي") يَمَسُّ ما هو "أخطر": تهجير يهود مصر إلى إسرائيل. المسألة محض سياسية، وإن خفّفها المسلسل بقصص الغرام وصراع قلبَيْن على رجل. يُعاد استحضار الماضي والبحث عمن كان السبب لبدء محاكمته. مسلسلٌ "خطير" يقلب الجوّ العام المصري ويضع التاريخ أمام مسؤوليته.

"ذهاب وعودة" ("المستقبل"، "أم بي سي") يُبيِّن قيام البُنية الإسرائيلية على الاستغلال ولاأخلاقية التعامل. مسلسلٌ لا يجعل التسييس غايته، مُفضِّلاً التعريج على الشخصية الإسرائيلية من دون "التعرُّض" إليها. لنقل إنّ "باب الحارة" ("أم بي سي"، "أل بي سي آي") والنِسَخ التي أفرز، تقارب السياسة من غير أن تترك وراءها بصمات. تتمسّك هذه المسلسلات بخطب جاهزة تخوّلها شحذ هِمم المُشاهد وإقناعه بأنّ ثمة في كلّ زمن عدواً تنبغي محاربته. سنفترض أنّ "دنيا" ("الجديد"، "أبو ظبي") على خُطى مسلسلات الجُرح السوري الضاحك- حيث يهزأ سوريون بأسى العيش في الزمن الصعب، من غير أن يقترحوا حلاً لهذا المأزق- وعلى رغم ذلك يَصعب اعتباره وهج الموسم "الفكاهي".

موسمُ الوَقْع السياسي على الدراما وصنّاعها وجمهورها. إن كانت عينٌ على "الضلع" السياسي من "الثالوث المحرَّم"، فإنّ عيناً أخرى تُراقب "ضلعَي" الدين والجنس، وتأثيرهما في السياق الدرامي. يغدو الدين ملازماً للمسار السياسي ونهاية حتمية له ("أستاذ ورئيس قسم" مثلاً)، أما في "باب الحارة"، فيستجدّ خلافٌ طائفيّ عنوانه اليهود والإسلام ليُرجئ العداء مع المحتل الفرنسي حتى إشعارٍ آخر. "سيلفي" ("أم بي سي") قراءة لامعة لخلل المجتمعات ورخص الإنسان العربي، كلما ابتعد من السياسة، وَجَد نفسه في صُلبها. أخيراً، لا مناص من إيحاءات الجنس وحميمية الزوجين وبعض حياة الليل. كلها مَشاهد ملتصقة بالسياق، تابعة له، لا دور لها من دونه. منذ "كلام على ورق" (رمضان 2014، تعيد "أو تي في" عرضه)، أحدٌ لم يجعل من فتاة كاباريه (أدّت الدور هيفا وهبي) بطلة مسلسل رمضاني يُعرَض في هذا الزمن المرعب.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard