زوبعة في سماء عبد الحليم حافظ أبكت العصافير

10 تموز 2015 | 23:35

المصدر: "النهار"

شيرين عبد الوهاب وباسل خياط في مشهد من المسلسل (عن الانترنت).

لم نطمئن في البداية إلى مسلسلٍ بدا تقليدياً وهو يتناول قصّة حياة مغنّية كحال مسلسل "طريقي". ولنكن صريحين: لم نضعه في أولويات المتابعة. لكنّ شيرين عبد الوهاب في دور دليلة تجعل العمل كتلة مشاعر. مسلسلٌ ("الجديد"، "سي بي سي") يعود بالمُشاهد إلى ستينات القرن الماضي حيث الحياة جميلة.

تتجاوز عبد الوهاب أدواراً تمثيلية قلّما تُقنِع في الفيديو كليبات، وتُبيِّن في "طريقي" إمكانَ العطاء المتألّق. يُشبهها الدور، ولعلّه بعض ما مرّت به في حياتها، مُضافاً إليه ما رآه الكاتب تامر حبيب مناسباً لفنانة حسّاسة. قليلة هي المسلسلات التي تمنحها الصورةُ قوّةً، كقوّة النصّ والأداء أو ربما أكثر. هذا المسلسل صورةٌ أنيقة للمخرج محمد شاكر، قادرة على حَمْل المُشاهد إلى زمنٍ آخر يملأه الحنين. نلمح فيه انسجاماً روحياً بين الممثل والدور المُمثَّل، وإمكان كلّ شخصية أن تشكّل محطّة في ذاتها منفصلة عن الآخرين، وملتصقة بهم في آنٍ واحد.

يُشبه المسلسل وجه مصر في عمق صفائه حين كان الفنّ حلماً بديعاً. تُجسّد عبد الوهاب الارتقاء الصعب من الواقع المرّ إلى الأحلام الممكنة رغم كُلفتها. دليلة (يتناغم مع اسم داليدا وشقائها) نموذج المرء المُنتفض على قَدَره والعصامي الذي يتجاوز عقاب الحياة. قدَّم عبد الحليم حافظ أفلاماً عدّة تختزل مسيرة الفنان على أرض الشوك، ورافقت السينما المصرية آنذاك استعادةٌ بانورامية للصفعات التي تلقّاها الفنان حتى بلغ المجد. "طريقي" على هذه الدرب، إذ تواجه دليلة رَفْض العائلة خَيار الفنّ، وما تتعرّض له الفنانة في بداياتها من أطماع واستغلال وإخفاق. إنّنا على سُلَّم نصعد درجاته درجة درجة، فنتعثّر حيناً ونصفّق للتقدُّم حيناً آخر. المسلسل عن التمسُّك بالحلم مهما بدا مستحيلاً، والسعي بكلّ عزمٍ إلى جعله يتحقق. تُحاط دليلة بما يخوّلها اللجوء إلى الاستسلام كخَيارٍ بديل عن المواجهة والاستمرار في التحدّي، فالأخ الذي يتكلّف إدارة أعمالها متفرِّغٌ للهو والثمالة، والابنة في حاجة إلى اهتمام خاص، والزوج شخصيّة معقّدة. نتوقّف عند دور باسل خياط في حياة دليلة. شخصٌ صعب مُستفزّ شديد التوتّر وإن بدا هادئاً كسماء تختزن في أعماقها زوبعة. لا يُبنَى العمل على لحظات حبّ تجمع خياط في دور يحيى المليسي وداليلة، بل على التحدّي الذي تولّده العلاقة وتأثير مزاجيتها في بقاء الحلم.

يُناسب الدور عبد الوهاب كونها قبل كلّ شيء، مغنّية. ذلك أنّها لم تأتِ بجديد إلى مُشاهد يعشق صوتها ومن أجله يغفر زيف الأداء في بعض الكليبات. عبد الوهاب شكّلت "صدمة" إيجابية في قدرتها على المواءمة بين الأغنية والمشهد. تُوقّع عقد عمل للغناء في ملهى ليلي حيث تتربّص بها شهد (ميس حمدان في دور تجيده) وتحاربها. تُبقي على البراءة في عينيّ الشابة الحالمة وعلى البساطة في تركيبتها. تبدو وحيدة وسط تحالفاتٍ تفوقها قوّة ومصالح يُخشى في كلّ لحظة أن تقع ضحيتها. خطاب المسلسل واضح: لا تتنازلوا عن الحلم، ومهما اشتدّت الظلمة فالفجر قريب. كلّ ذلك بينما نستمتع بأغنيات تؤدّيها عبد الوهاب بإحساس يبلغ من الرقي مرتبةً عُليا. الشعور جمالية المسلسل كأننا أمام نهرٍ يهمس لشاعرٍ قصيدته. عَذْب الأنهر في حنجرة شيرين عبد الوهاب الصافية مثل فجرٍ في قرية تركها سكّانها للعصافير الحزينة.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard