تركيا... أزمة معارضة لا أزمة حكومة

1 تموز 2015 | 01:29

المصدر: "النهار"

قد يكون آخر ما تحتاجه تركيا في محيطها المضطرب أن تصل أحزاب معارضة إلى مجلس النواب دون أن تمتلك رؤية لما هو أبعد من نتائج انتخابات السابع من حزيران الفائت.

ليس دفاعاً عن حزب العدالة والتنمية ولكن ليس هناك من معارضة بناءة وفاعلة على قاعدة التشهير فقط. فسقطات على شاكلة اتهام رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كلتشدار أوغلو بأن في القصر الجمهوري الجديد مرحاضاً من الذهب كان لا بد لها من أن تتوقف، ولكن للأسف نرى أنها مستمرة مع مواصلة تركيز بعض الوسائل الإعلامية ومن خلفها المعارضة على القشور كتداول ثمن طاولة الإفطار التي اجتمع عليها رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان ورئيس الشؤون الدينية محمد غورماز وقد قيل بأنها تبلغ حوالى 90 ألف دولار، أما ثمن الطاولة وما عليها من أواني وأطباق وغيرها فقد وصل إلى حوالى 373 ألف دولار. بصرف النظر عن دقة هذه الأرقام وما تعنيه في حال صدقيتها من فساد، فلا شك أن هناك نواحي أخرى يجب الإلتفات إليها يمكن أن تكون أكثر منفعة في الوقت الحاضر لا سيما بالنسبة إلى المعارضة إذا ما ذهبت تركيا الى انتخابات جديدة مبكرة في حال الفشل في تأليف حكومة إئتلافية.

 

الجميع تحدث علناً وهمساً عن حالة الذهول التي رافقت اعلان نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة وأن أيّا من أحزاب المعارضة لم يتوقع الوصول الى مفترق تأليف حكومة إئتلافية. ولكن السؤال الذي يصح طرحه، آلا يجب على المعارضة المسؤولة أن تُبقي في جعبتها خططاً بديلة لأي طارىء جديد غير متوقع، أما السؤال الآخر الذي يتبادر إلى الأذهان، هل كان الهدف فقط خفض مقاعد حزب العدالة والتنمية في البرلمان ولا شيء آخر؟!

حتى الآن، لا معالم لحكومة جديدة في الأفق في ظل ضبابية التحالفات. وما هو مستغرب أكثر أن ذهنية ازاحة حزب العدالة والتنمية من المشهد السياسي لا تزال مسيطرة حتى ما بعد اعلان نتائج الانتخابات التشريعية، ولعل طرح رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كلتشدار أوغلو التنازل عن حق حزبه - صاحب أكبر عدد من المقاعد البرلمانية بين أحزاب المعارضة - بمنصب رئاسة الحكومة لزعيم حزب الحركة القومية التركية في حال قبل الأخير عقد تحالف معه الى جانب حزب الشعوب الديمقراطي ، ليس بعيداً عن الذهنية التي ذكرناها. في النتيجة رَفَضَ زعيم حزب الحركة القومية دولت باهتشلي الطرح لأنه "لا يستند إلى قواعد أخلاق السياسة وأعرافها" مشدداً على ضرورة وجود حزب العدالة والتنمية في أي حكومة ائتلافية مقبلة مع التركيز مجدداً على رفض مشاركته بأي حكومة يكون حزب الشعوب الديمقراطي طرفاً فيها.

وإذا كانت طروحات حزب الشعب الجمهوري غير مقبولة من أحزاب المعارضة الأخرى، فإن شروط حزب الحركة القومية لمشاركة حزب العدالة والتنمية في حكومة تجمعهما لا تقل استعصاء. فماذا يعني طلب إنهاء عملية "السلام الداخلي" مع الكرد؟ وماذا يعني أيضاً الطلب من الرئيس أردوغان العودة إلى قصر جانقيا القديم وترك قصر "بيش تبه" الجديد أو ما يعرف "بالقصر الأبيض"؟ ببساطة مطلقة يطلب حزب الحركة القومية أن يطلق حزب العدالة والتنمية رصاصة الرحمة على أحد أهم انجازاته السياسية الداخلية غير المكتملة بعد والعودة الى المربع الأول لأزمة الكرد وما قد تحمله مجدداً من أجواء عنصرية داخل تركيا إضافة إلى خسارة حزب العدالة والتنمية ما تبقى له من أصوات في الأوساط الكردية بشكل تام. أما مسألة القصر فهذا شرط في مقام المستحيل لرئيس جمهورية كان ولا يزال يطمح للوصول إلى نظام رئاسي يمنحه المزيد من الصلاحيات وليس القصر سوى رمزاً لا يمكن الاستغناء عنه لطموح هو فقط بحكم المؤجل أقله من وجهة نظر أردوغان.

وهنا يمكن طرح أكثر من علامة استفهام على طلبات حزب الحركة القومية وشروطه، هل فعلاً يريد المشاركة في الحكم أم أنه يفضل البقاء معارضاً مع ما يعنيه ذلك من تهرب من المسؤوليات بحسب ما يُروّج له.

وبناءً على ما ذُكر أعلاه، عاد طرح التحالف بين حزب الشعب الجمهوري وحزب العدالة والتنمية الى الواجهة مجدداً. ومن الأسباب الإضافية لترجيحه على ما عداه من الطروحات والتحالفات هو احتمال خسارة أكبر أحزاب المعارضة بعضاً من ناخبيه في حال عدم تمكنه من الانخراط في الحكم خصوصاً أن هناك أرضية معقولة مع الحزب الحاكم أقله في مسألة استمرار عملية السلام مع الكرد وإن كان هناك اختلافات لناحية ادارة سياسات داخلية وخارجية أخرى من قبل حزب العدالة والتنمية. وفيما يبدو الشرط الذي يطرحه حزب الشعب الجمهوري لاتمام التحالف صعباً إذ يقترح التناوب في تولي رئاسة الوزراء وتقاسم الحقائب الوزارية بالتساوي، إلا أن ترجيح تولي دنيز بايكل منصب رئاسة البرلمان قد يكون أول علامات التحالف بين حزبي الشعب الجمهوري والعدالة والتنمية إذا ما تم.

في المحصلة كل ما يدور حتى الآن من مشاورات هو غير رسمي في ظل عدم تكليف أردوغان رئيس أكبر كتلة نيابية أحمد داود أوغلو بتشكيل الحكومة، الأمر الذي اعتبره البعض استغلالاً للوقت لاجراء المزيد منها. وفي حال التكليف فإن مهمة أوغلو لتأليف حكومة إئتلافية ستكون محصورة دستورياً بفترة زمنية محددة بـ45 يوماً وإلا ذهب التكليف إلى رئيس الكتلة النيابية الثانية ما يعني زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كلتشدار أوغلو.

في تركيا اليوم، حرص من قبل حزب العدالة والتنمية على التمسك والحفاظ على انجازات 13 عاماً من الحكم المنفرد مقابل تضعضع واضح لأحزاب المعارضة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard