كتاب مفتوح الى دولة العماد ميشال عون

26 حزيران 2015 | 22:11

المصدر: "النهار"

لو سألتني عن رأيي - ساعة استقالة حكومة الرئيس ميقاتي - لمن اريد ان امنح صوتي للتكليف، لأجبت دون تردد، لدولة الرئيس سعد الحريري، كاستمرار لنهج الرئيس الشهيد رفيق الحريري، باني لبنان الحديث، وحامل ارثه، وطنيا وعربيا واقليميا ودوليا. والذي كان سيوظف هذا الوزن لمصلحة لبنان ودولته، وسيعيد الثقة بقيامة لبنان. لكن هذا الخيار لم يكن متوفرا، لعدم رغبة الرئيس الحريري في ذلك، لدواع امنية وسياسية.
خياري الثاني، المنسجم مع قناعتي والتزامي، كان سيكون لدولة الرئيس السنيورة، لتكليفه تشكيل الحكومة. وذلك لتاريخه الطويل، في العمل في الشأن العام، ونظافة كفّه - والتحقيق معه في مطلع عهد لحود، ابلغ دليل على ذلك. الى جانب نجاحاته في وزارة المالية، إلمامه في كل الملفات، ثباته في مواجهة حالة التمرّد، في رياض الصلح، ونجاحه في حماية خيار المحكمة الدولية واطلاقها.
اما واقعيا... ومع استحالة تشكيل حكومة فريق واحد - حتى ولو كان لديه الاكثرية - ولضرورة ان يكون للبنانيين حكومة ترعى شؤونهم، وأخذا في الاعتبار، ان الرئيس العتيد للحكومة، بحاجة لرضى فريقنا السياسي، ورضى خصومنا ايضا... كان قرارنا، دعم رئيس يُجمع عليه كل الافرقاء، متجاوزين مقاييس الاقرب الى عصب الجمهور، والاقوى على الارض. فكان التكليف للرئيس تمام سلام، ابن البيت السياسي العريق، وابن احد رجالات الاستقلال... وثبت بالتجربة العملية، انه كان نعم الخيار!
لم يلجأ فريقنا، الى اعتماد سياسة: اما الرئيس الذي نريد... او لا حكومة. وذلك لسببين اثنين:
الاول: اذا كنا ذاهبين الى تشكيل حكومة وحدة وطنية، فرئيسها حتما يجب ان يحظى برضى كل مكوناتها.
الثاني: ان الهدف الذي نسعى اليه، هو مصلحة الوطن. وليس لدينا أي همّ آخر، اكان شخصيا او فئويا!
على صعيد الطائفة الشيعية الكريمة، يعتبر السيد حسن نصرالله، ممثل القوة الاولى، من حيث القدرة على التعبئة والحشد المذهبيين، ومن حيث الوزن العسكري والامني والمادي.
ويعتبر الرئيس بري، وريث الامام الصدر، امام التواصل بين اللبنانيين، وكنائس لبنان، كما مساجده، تشهد على ذلك. ووريث فكر العلامة المرحوم الامام محمد مهدي شمس الدين، ووصاياه التي تركها للبنانيين عامة، وللبنانيين الشيعة خاصة، بأن يصونوا لبنان كوطن نهائي لجميع بنيه، وان يكون ولاءهم لدولتهم، وان يعزّزوا شراكتهم مع ابناء بلدهم، والا يرتهنوا لأي مشروع خارج حدود وطنهم. فكانت لديه القدرة على التواصل مع الحلفاء والخصوم.
والحالة هذه، لم يلجأ حزب الله - رغم تفوّقه، من حيث قوته الشعبية والعسكرية والامنية - الى المطالبة بأن يكون رئيس المجلس النيابي، من بين اعضاء كتلته النيابية. وذلك ليس تعففا، بل تحاشيا للوقوع في واحد، من المحاذير الثلاثة:
الاول: هو ان يطالب حزب الله برئاسة المجلس، وترفض أكثرية الكتل النيابية. فيفشل في مسعاه. وهذا ما لا يريده.
الثاني: هو ان يطالب الحزب برئاسة المجلس، ويصر على ذلك، وبالقوة. وترفض أكثرية الكتل ذلك، وتصرّ ايضا. مما يؤدي الى اهتزاز الوضع الأمني الهشّ. وهذا ما لا يريده الحزب. لأن لا مصلحة له في ذلك الآن.
الثالث: هو ان يطالب الحزب برئاسة المجلس النيابي، وترفض الكتل. ويصر الحزب في طلبه، وتصرّ الكتل على الرفض، مما يوصل الى الشغور في رئاسة المجلس... الموقع الشيعي الاول في الدولة. وهذا ما يرفضه الحزب ايضا، كما ويرفض تحمل مسؤوليته.
على ضوء رفض حزب الله، الوقوع في اي من المحاذير المذكورة، وحرصًا منه، على الحفاظ على التحالف مع حركة امل، لأن له مصلحة في ذلك، تبنّى حزب الله، موقع الرئيس بري في رئاسة المجلس النيابي ودعمه. واستطاع الرئيس بري، من خلال قدرته ودوره، ان يحجز لنفسه مكانة عند كل اللبنانيين، وان يلعب دورا مرحبا به، في كل المنعطفات الحاسمة على الصعيد الوطني.
وهنا اسمح لنفسي، ان اتوجه الى العماد ميشال عون - بكل ما يمثل - اذا كنت يا جنرال ترفض، ان تبادل خصومك السياسيين التحية بالتحية، والخطوة بمثلها، من خلال تقديمهم لرئاسة الحكومة، شخصية مرموقة، كالرئيس تمام سلام، ولم يصروا، على تقديم شخصية اساسية اخرى من وسطهم، ملاصقة للعصب التنظيمي وللمزاج الشعبي، في تيار المستقبل وقوى الرابع عشر من آذار، فعلى الاقل، يجب الالتفات الى تجربة حلفائك الاقربين في حزب الله، الذين دعموا الرئيس بري في رئاسة المجلس النيابي، انطلاقا من قدرته التواصلية مع الآخرين، والتي امتاز بها عليهم، رغم امتيازهم على حركة امل - ولو نسبيا - بالقدرة التحشيدية، وبالطاقة العسكرية والامنية والمادية.
في ختام هذا العرض، يا جنرال، يثبت بالملموس بطلان نظريتكم، التي تؤكّدون من خلالها، بأن القوى الاكثر سطوة في الطوائف الاخرى، هي من يمسك بالمواقع الرئاسية العائدة لها. ويثبت هذا العرض، ان الاقوياء الاخرين، لم يحشروا انفسهم في خيار واحد، كما فعلت بنفسك وبتيارك وبطائفتك... وببلدك حتما ؟! انما قبلوا بالممكن المتاح - ديمقراطيًّا، وهذه هي القوة الحقيقية - ودعموه، لتزداد قوته وحضوره ودوره، وقدرته على الفعل الايجابي في الحياة السياسية الوطنية.
نقطة اخيرة، ايها الجنرال، بخصوص دور المسيحيين في لبنان. فنحن عندما ندافع عن دور المسيحيين، انما نفعل ذلك ليس لأنهم ضعفاء - وهم ليسوا كذلك - بل انطلاقا من ايماننا، ان في تعزيز دورهم تتحقّق مصلحة وطنية كبرى. أن الوجود والدور المسيحي في لبنان، يشكل اساسا للتنوع وضمانة للحريات العامة. نؤمن ان فعلهم في الاجتماع اللبناني والحياة المشتركة، يتحقق من خلال الاحزاب المسيحية ووجودهم في كل مؤسسات الدولة وفي القطاعين العام والخاص، ومن خلال دورهم الرائد والمميز في كل المؤسسات التعليمية والثقافية والاعلامية.
اما الرئيس المسيحي، فهو الشخصية المسيحية المرموقة، التي تتقدم لمهمة وطنية نبيلة... وهو ان يكون رمزا لوحدة اللبنانيين، وحاميا لدستورهم. وتقديرا للدور التاريخي للمسيحيين عامة، وللموارنة خصوصا، في قيامة لبنان وتطوره، وتمسكا بهذا الدور حاضرا ومستقبلا، اعطاهم الدستور اللبناني، شرف ان تتبارى خيرة نخبهم كل ست سنوات، ليختار اللبنانيون رئيسا لهم، من بين هذه النخب!
ان كل من يحاول، ان يفرض على اللبنانيين رئيسا، يلغو لغوا طائفيا، ويهدد ويتوعد... انما هو تحديدا، من يهدد الدور المسيحي، ان لم يكن اليوم... فغدا.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard