رحيل جايمس سالتر: لعبٌ ولهو ولوينسكي وأيام مُحترقة

22 حزيران 2015 | 20:30

أُُصيبت الولايات المتحدة الأميركية أخيرا بوفاة ابنها، الكاتب المحوري جايمس سالتر الذي لم يكن، للمفارقة، من الأصوات الأكثر انتشارا أو استحواذا على الإكتراث التجاري. ربما يكمن في هذا الإلتباس معيار التميّز الأدبي وسبب الاحتفاء اللافت والعام الذي حظي به في مجمل المطبوعات الأنغلوساكسونية وفي سواها. حين يَختار المعنيّ، وهو سالتر في هذه الحال، المكوث في مطرح تأليفي ينتقيه هو، لا بدّ أن تتبلور حينئذ أبهى التجارب المنفلشة وفق سلّم أولويات شخصيّ لا يأخذ في الحسبان أي معطى خارجي.

يغيب الكاتب غير الإصطلاحي في التسعين بعد إصرار على نشر القليل وإنما المستحق. أتمّ نصوصا قادرة ليحجز لنفسه موقعا رفيعا في مشهد الآداب الأميركية وينال إعجاب أقرانه من الأدباء، وبالإجماع. أنجز هذا ثم استراح.

إحتفظ لنا سالتر بنسق من النثر الجميل والدقيق وغير المستعجل وبأعمال تخييلية يسيرة في سياق أيامه الناضجة وتلك المُتقدّمة. كتب بتأنٍ لافت ومن دون الحاجة إلى الكثير، ليبرهن ان الاقتصاد التأليفي حرفة المتمكّنين. نتقرّب من بعض هذا الألق في قصة "عشرون دقيقة" ويستهلها الكاتب على هذا النحو "حدَث ذلك لسيدة تدعى جاين فاير في مكان على مقربة من كاربوندال. إلتقيتُها مرة واحدة خلال إحدى الحفلات. جلَسَتْ في كنبة في حين مدّت ذراعيها بالإتجاهين وحملت في يدها كأس كحول. تحدّثنا عن الكلاب".

ربما يكون "حَرقُ الأيام" الذي اختاره سالتر عنوانا لمذكراته الأكثر إفصاحا عن ما اختبره في معيشه. يخبر الإسم كمّا من الأيام العصيبة التي أراد من خلالها أن يستبقي اللحظات والوجوه والحوادث وأن يقلّب في محطات عدة ليس أقلها أهمية التحاقه بسلاح الجو الأميركي ليشارك كطيار في حرب كوريا. سَيُدوّن في روايته الأولى "الصيادون" حكاية كوريا ويطرح، متذرعا بالإحساس بالدهم، السؤال الأهم في تجربته التأليفية. يستفهم سالتر على لسان سيدة بهوية نيدرا "هل الشهرة جزء من العظمة؟ ليجيبها فيري "ليست الشهرة جزءا من العظمة فحسب، وإنما أكثر. انها الدليل والبرهان الوحيد. أما الباقي فلا شيء، هباء فقط". يَبين من خلال المقتطف السرديّ صراع إختبره سالتر في قرارة نفسه، وإن جعله في هذه الرواية يلبس ثياب الآخرين.

ظلّ جايمس سالتر الكاتب العظيم والمجهول الذي قدِم إلى الكتابة من الباب الخلفي ومن دون تهيئة ليلتحق، على عكس كل التوقعات، بـ"الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب". في رصيده كلام في الزواج من خلال رواية "الأعوام المضيئة" وتمهّل عند الرغبة والتوق إلى شغف متحرر من العيب أو الذنب من طريق رواية "لعب ولهو" (التي استعار عنوانها من الآية القرآنية "وَمَا الحَيوٰةُ الدُّنيا إِلّا لَعِبٌ وَلَهوٌ") فضلا عن مجموعة قصص قصيرة سمّاها "غروبٌ وحكايات أخرى".

يستحيل فرار المتسلقين من الحضارة المُثقلة صوب قمم الجبال موضوعا لرواية سالتر الأخرى "وجوه وحيدة". ها هنا ينظّر أحدهم أرخى لحية غير مكتملة بدت كشظايا باللون الأسود تحت بشرته كما يكتب، في الروحانيات قائلا "تتعلق كل الديانات على نحو ما بالجوّ الحار. إنطلقَت جميعها من الصحراء"، ليزيد "في المقابل، وفي حال تأمّلت في المسألة مطولا لأدركت أن الفلسفة جاءت من المناطق المعتدلة. أما الفكر فمصدره الشمال والإنفعال الجنوب".
لم يتردّد سالتر في أخذ مواقف من المسائل المعاصرة وكان من ضمن الكتاب القلائل الذين كتبوا في فضيحة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون والمتدرّبة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي. في حين أقرّ سالتر بأنه ليس من "المُعجبين الأشداء بكلينتون" لم يغفل "صلابة وجسارة" الرئيس، ليضيف "ليس ثمة جمال حقيقي من دون شوائب قليلة".

في روايته "كل ما هو عليه" وفي فصل بعنوان "كريستين" يروي سالتر لقاء جرى في جوار مطار نيويورك بين فيليب القادم من لندن وكريستين القادمة من أثينا. يتبادلا الإثنان أطراف الحديث فتُقرّ السيدة بأنها لا تحبّذ الطيران لخشيتها من تحطّم الطائرة. يعلّق فيليب "لا أظن انه ينبغي لك أن تخافي التحطّم لأنه يحدث في سرعة. ينتهي كل شيء خلال ثانية فحسب". فتردّ كريستين "أخشى ما يحدث قبل ذلك أي حين أدرك ان المركبة على وشك التحطّم". يسأل فيليب "كيف ترغبين في الموت إذا؟" تردّ كريستين "على أي نحو آخر".

في حال جايمس سالتر كانت الأزمة القلبية وفق كل التقديرات هي أسلوب الموت الآخر، بعد تسعة أيام على احتفاله بعيد ميلاده التسعين.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard