ليس دفاعاً عن أدونيس...

22 حزيران 2015 | 13:17

يُحسن وليد جنبلاط استقطاب الأنظار إليه، إن أحياناً عبر تحالفاته السياسية وأحايين أخرى عبر مواقفه النارية والمثيرة للجدل. وهذه المرة سهامه أصابت الشاعر والمفكر السوري أدونيس، وذلك عقب نشر مقابلة له في جريدة السفير اللبنانية، تحدث فيها عن الثورات العربية وأن تحركاتها قائمة على التبعية، وتطرّق إلى الدين، وتحديداً الدين الإسلامي، وضرورة إعادة قراءة مختلفة للأصول الدينية ونصوصها التأسيسية، وتكوين جبهة عربية علمانية.

الأكيد أن المقابلة لم تأتِ بجديد يُذكر لم يقلْه أدونيس سابقاً، لذا فإن ردة فعل جنبلاط قد تكون انفعالية بعض الشيء نتيجة ما يتعرض له الدروز في سوريا، أو ربما علينا توسيع منظور رؤيتنا لرؤية الصورة الأكبر. في كل حال، كان لموقف وليد بك، سواء عن قصد أو عن غير قصد، نقاط إيجابية عدة منها:
أولاً ظهر موقفه مدى سذاجة الرأي العام وسرعة انقياده للمواقف الرنانة التي تغلب فيها الغرائز على العقل الواعي، وخصوصاً إن صدرت عن أحد القادة السياسيين. والاكيد أن ردود الفعل والأحكام في غالبيتها لم تستند إلى اي أساس علمي وذلك عبر تفنيد ما ورد من نقاط، بل غلبت عليها العصبية القبلية والدينية والسياسية.
ثانياً أعادت إلى الواجهة طرح دور المثقف، ولا سيما لناحية غيابه عما يجري حالياً في العالم العربي. ولحينه يبدو أن أهل السياسة هم من يتصدرون المشهد في ظل غياب أهل الفكر والفلسفة عن أداء دورهم المنوط بهم، وهو توجيه الرأي العام ووضع الخطوط العريضة للمرحلة القادمة ورسم معالمها. أو كما يقول كوينتن سكنر بأن دور الفيلسوف السياسي " شرح الشروط التي تفيد في تعزيز "الصالح العام الهادئ"".
يُحسب لأدونيس، بغض النظر عن صوابية آرائه أو عدمها، أنه يسعى إلى خلخلة السائد، ولا سيما الديني منه، وفق قراءات نقدية، أو أقلّه حضّه على إعمال الفكر والنقد والتحليل. وهو يحاول كسر المحرّمات مؤكداً أن لا إمام غير العقل، ولو بخطوات وئيدة، فنقطة الماء المستمرّة تحفر الصخر.
لن يستقيم حال مجتمعاتنا العربية ما لم نسعَ إلى تأسيس عقد اجتماعي ينقلنا إلى دولة مدنية علمانية، دولة مواطنة، نكفّ فيها يد الدين، وهنا لا مناص من تسيّد الفلاسفة والمثقفين هذه المرحلة وقيادتها إلى بر الأمان، فمسؤوليتهم تقتضي منهم إصلاح النظام وتصويب الخلل وإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح في حال انحرافها عنه، لا ملازمة صوامعهم والبقاء في موقع المتفرج، بل النزول على أرض الواقع والانخراط في قيادة العملية التغييرية إلى برّ الأمان.
لن نستطيع تغيير واقعنا ما لم نفهم المجتمعات السابقة وذلك عبر استعادة عقلياتها لا مقاربتها مقاربة تجريدية عقلية بل وضعها في سياقها الأيديولوجي علّنا نستطيع رسم صورة أكثر واقعية وتالياً فهماً تاريخياً واضحاً. من هنا ضرورة البحث في العقائد والأيديولوجيات ورسم مسار عملي لها يُشرعنها توخياً لتحقيق هدفها. نحن لا زلنا نجترّ أنفسنا من حيث الأفكار والعقليات والحروب والثورات إذ يقتصر التغيير فقط على البنية الخارجية التي يمليها التطور الطبيعي الزمني.
المطلوب اليوم ليس فقط رداً ما كما صدر عن وليد بك، بل نحتاج إلى جدل أوسع. وأن يرتكز فهمنا للنصوص ليس فقط على المتاح لها، بل على ضرورة استخراج ما قاله وما أخفق في قوله. أي ليس البناء على النصّ فقط بل على الإطار أو السياق العام الذي كُتب فيه، والإلمام بمقاصد الكلام قبل الاستنتاج وفهم المعنى المقصود.
نقد جنبلاط، وإن رأه البعض سلبياً، لكونه يصب في الإطار السياسي الضيق والشعبوي، غير أن له جانباً مفيداً هو إحياء النقاش والجدل الفكري، وإن كنّا ندعو أن يكون علمياً أكاديمياً، ونحثّ الفلاسفة والمفكرين والمثقفين على قيادة هذه الثورات وإعادة ترسيخ حضورهم الفعلي عملياً عبر اجتراح حلول فعلية مبنية على أسس ومناهج قابلة للتطبيق وعدم حصر دورهم بالناحية التنظيرية البحتة، إذذاك لا إصلاح أو انتقال إلى فكر سياسي حديث أو تنوير.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard