رصاصة رحمة أم طوق نجاة: هذا ما ينتظره التيّار من الجنرال!

19 حزيران 2015 | 12:36

المصدر: "النهار"

ما زال "التيار الوطنيّ الحرّ" يُصارع أملاً في مأسسة "الحالة" التي التفّت وراء الجنرال ميشال عون في نهاية ثمانينات القرن الماضي. "حالة" جعلته زعيماً، آمنت بشخصه وطروحاته ووقفت معه، ناضلت طوال فترة نفيه وطالبت بالحريّة والسيادة والاستقلال.

بعد أن حُكي عن إمكان إجراء الانتخابات الداخليّة مطلع آذار الماضي، تأجّلت إلى أيار الذي تلاه، ثمّ إلى موعد غير محدّد، قد يكون أيلول المقبل. موعدٌ مرتبط بالتوصّل إلى اتفاق حول نظام داخلي يحاكي كلّ وجهات النظر. انتخابات يعوّل عليها لزرع بذور حياة ديموقراطيّة داخل الحزب وفق آليات تنظيميّة منفصلة عن إرادة زعيمه، ولخلق تغيير جوهري في آليات عمل التيار الخمول الغائب في كثير من الأقضية عن أي نشاط يدبّ الحماسة في الناشطين والمؤيدين.

مخاض النظام الداخلي
انطلق العمل في صياغة النظام الداخلي منذ حوالى السنتين، انسحب كثيرون من التيّار خلال هذه الفترة، أقصي البعض الآخر وهمّش آخرون، إلى أن خرجت النسخة الأولى، فتسجّلت في وزارة الداخليّة، ثمّ طلب تغييرها فأضيفت إليها بعض التعديلات منذ أيّام.

يُقال إن النسخة الأولى من النظام أُرسلت من دون موافقة الوزير جبران باسيل، إذ استغل البعض سفره للتأثير على الجنرال الذي أرسلها إلى الداخليّة فترة غياب صهره، ويُقال أيضاً إن الجنرال عاد فسحبها من الوزارة بعد عودة باسيل، فأجرى تعديلات على النظام وأرسل نسخة ثانية منه خلال سفر ابن شقيقه نعيم عون مستغلاً غيابه. لا تبدو هذه الأقاويل حقيقيّة، خصوصاً أنها تظهر الجنرال بصورة "المُسيَّر" أي "تعا تعا روح روح"، تارة يرضخ لمشيئة صهره وتارة أخرى لمشيئة ابن شقيقه، فيما المعروف أنه يتفرّد وحده بآلية اتخاذ القرار دون العودة إلى أحد.

النسخة الأولى من النظام الداخلي تنصّ على انتخاب رئيس للحزب مباشرة من القاعدة الشعبيّة لمدّة أربع سنوات، يتمتع بصلاحيّات واسعة، يأخذ بعض القرارات دون الرجوع إلى أحد، فيما يكبّل بموافقة المجلس السياسي في قرارات أخرى. إلى جانب الرئيس هناك المجلس الوطني المؤّلف من منسقي الأقضية واللجان المركزيّة المنتخبين من القاعدة الشعبيّة أيضاً الذي ينتخب المجلس السياسي ويراقب عمله، والمجلس السياسي المؤلّف من الرئيس ونائبين له و12 عضواً، 9 منتخبين و3 معيّنين، ومن وزراء ونواب التيّار السابقين والحاليين. أما النسخة المعدّلة فخفضت عدد أعضاء المجلس السياسي المنتخبين إلى 6 ورفعت عدد المعيّنين إلى 6 أعضاء مهمّته النظر في القضايا الوطنيّة والسياسات العليا للتيّار، وهناك هيئة تنفيذيّة عبارة عن حكومة مصغّرة تابعة لرئيس الحزب، مهمّتها تنحصر في إطار الإدارة اليوميّة للحزب، فيما حوّلت بعض صلاحيّات المجلس السياسي إلى الرئيس فتقلّص دورها التقريري حتى بات تنفيذياً.

محوران وصراعات الداخل
يحاول كثيرون تعليل المشكلة بنسبها إلى الانشقاق الموجود في التيّار بين صهر العماد جبران باسيل وبين ابن شقيقه نعيم عون. فالأوّل ومعه مجموعة من النواب ورجال الأعمال والكوادر، مرّروا النسخة الأولى من النظام الداخلي على مضض، قبل أن يعاد التداول بها وإجراء تعديلات عليها. هؤلاء يريدون نظاماً رئاسياً في الحزب يكون لرئيسه صلاحيّات مطلقة لا تكبّلها آراء المعترضين، ويقولون إن رئيس الحزب المنتخب من القاعدة الشعبيّة سيتسلّح بها، ويزكّي معاونين لمساعدته في تنفيذ القرارات الصادرة عنه.

أمّا الثاني ومعه مجموعة من المحازبين المعارضين للنظام بصيغته الأخيرة، والذي أقصي بعضهم عن تسلّم أي مهام حقيقيّة خلال فترة السنوات العشر الأخيرة، يريدون شراكة حقيقيّة، لا بنوداً مجتزأة مكتوبة على ورق. هؤلاء لا يمانعون وصول جبران إلى رئاسة الحزب، ولكنهم لا يريدون أن يتحوّلوا إلى مزهريّات للعرض، يُطلبون في التحرّكات الشعبيّة ولا يؤخذ بآرائهم في آلية اتخاذ القرار. هؤلاء لا يؤمنون بإمكانيّة إسقاط النُظم السياسيّة للدول على الأحزاب المؤلّفة من محازبين لديهم التوجّه والقضية والمبادئ نفسها، محازبون لا يتنافسون إنّما يتعاونون للارتقاء بالحزب وجعله كتلة ضاغطة ومؤثّرة في رسم سياسات الدولة.

أين سبب العلّة؟
المشكلة لا تكمن باسم باسيل، ولا يجوز حرمانه من أحقيّة الوصول فقط لأنه صهر الجنرال، كما لا يجوز حصر المنافسة بينه وبين ابني شقيقه وشقيقته. الإشكاليّة الحقيقيّة هي التالية: هل يصعب على العماد الذي قلب الطاولات مرّات عدّة، والذي تحدّى وحيداً كلّ ما يتعارض مع قناعاته، والذي عاند حتى وصل إلى مراده، أن ينجز نظاماً داخلياً يحدّد أطر العلاقة في حزبه من بعده؟ أم أن لا نيّة لدى العماد في صياغة ذلك النظام، مفضّلاً الأقربين والعائلة على مناضلين ومؤيدين ومحازبين، وقفوا معه وأمامه في معركة الحريّة والسيادة والاستقلال التي قادها، وكانوا بنضالهم الشعلة التي لم تُطفِئ زعامته على مدى 15 عاماً؟

يخوض الجنرال معركة تحقيق الشراكة في السلطة واسترجاع حقوق المسيحيين المهدورة، سياسة لا اعتراض عليها بعدما أثبتت مدى صوابيتها اليوم، وأكّدت قدرة الجنرال بزعامته وما يمثله على خوضها، وقرّبت خصومه المسيحيين منه، لكنه في المقابل أمام امتحان ومساءلة عن مدى جدّيته في إرساء هذه المعادلة داخل البيت الداخلي. ينتظر الجميع الانتخابات المؤجّلة، التي ستكون المخاض الحقيقي لمأسسة التيار وضمان استمراريته بعد زعيمه، فيكون إمّا الحزب الأولى الذي يرسي معادلة جديدة في الحياة الحزبيّة اللبنانيّة مبنيّة على أسس ديموقراطيّة، أم يكون مصيره الغرق في معمعة التوريث السياسي والتقليد العائلي كما هو الحال في أغلب الأحزاب اللبنانيّة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard