نصف ساعة مع جون تورتورو تحت شمس كانّ: الممثل يجد نفسه في سيرك متواصل ودوامة عبثية

11 حزيران 2015 | 10:02

المصدر: "النهار"

جون تورتورو في كانّ.

عَبَر جون تورتورو أكثر من ثلاثة عقود سينمائية دائماً بأناقة ودهاء يُحسَد عليهما. انه رجل المواسم الأربعة. حمل على كتفيه شخصيات ظريفة محببة قاسية خجولة انتهازية مفتتنة بالعنف والوصولية. هذا كله في ادارة كبار السينمائيين، وليس أدناهم شأناً مارتن سكورسيزي الذي اعطاه فرصته الاولى قبالة الكاميرا في "الثور الهائج" (1980). الا انه انتظر العام 1987 وبلوغه الثلاثين كي يحظى بالبطولة المطلقة الى جانب جودي فوستر وتيم روبينز في "الزوايا الخمس" لطوني بيل. لم يحلّق عالياً في فضاء التمثيل مثلما حلّق مع الأخوين كووين اللذين استفزا فيه عصب الفنان الكبير، اولاً في "ميلرز كروسينغ" (1990)، وبعده بعام في "بارتون فينك"، الفيلم الذي نال "السعفة الذهب" في كانّ وأتاح لتورتورو الفوز بجائزة التمثيل عن دور كاتب السيناريو. بنظارتيه المدوّرتين، شكّل تورتورو هنا صورة لا تسقط من الذاكرة.

جون تورتورو خلال المقابلة. (تصوير ه. ح.).

وقف هذا الأميركي المولد والايطالي الجذور، سبع مرات أمام كاميرا سبايك لي، في أفلام مثل "إفعل الصواب" او "صيف سام"، بيد ان أصوله حملته ايضاً الى تجارب اخرى، تحققت ذروتها عندما عمل مع فرانتشيسكو روزي في "الهدنة" (1997). لا يُقلق تورتورو القفز المستمر من جانر تمثيلي الى آخر. فهو لم يتوان مثلاً عن دعم رصيده بالكوميديات التجارية مع آدم ساندلر، مثلاً لا حصراً. رأيناه ايضاً في أفلام من نوع الأكشن، وكانت له دائماً قدرة عالية على الاقناع، بأداء مكثف وديناميكية جامعة.

كمخرج، قدّم تورتورو خمسة افلام فاز أولها، "ماك"، بـ"الكاميرا الذهب" في مهرجان كانّ 1992. على رغم شهرته الواسعة حول العالم، لم يتوقف النيويوركي الهادئ عن مراكمة التجارب المتناقضة: مرةً نرى روبرت دو نيرو يستعين به في فيلمه "الراعي الطيب" (2006)، ثم يقع اختياره على وودي آلن ليديره في فيلمه "جيغولو متدرب"، قبل ان نراه على ملصق الفيلم الأخير الذي مثّل فيه الراحل فيليب سايمور هوفمان. في مهرجان كانّ الأخير حيث جرى الحوار الآتي معه، اطلّ علينا هذا الخمسيني الظريف في دور ممثل أميركي تستعين به مخرجة ايطالية في "أمي"، جديد ناني موريتي الذي شارك في المسابقة الرسمية.

ممثل أميركي في "أمي" لناني موريتي.

- (...) على امتداد مسيرتي الحافلة، وجدتُني في أوضاع تمثيلية مختلفة. احياناً يُطلَب اليّ أن أكون مجنوناً، وفي أحايين أخرى أراني في حال من السكينة والهدوء. أعتقد أن ناني موريتي قبل أن يسند إليَّ هذا الدور شاهدني اضطلع بأدوار مختلفة. لطلما اعجب واحدنا بالآخر. راقني كثيراً السكريبت عندما قرأتُه، فقررتُ المضي فيه. لم تغرِني فكرة ان البطلة امرأة فحسب، فانحزتُ الى مضمون الفيلم الذي يقول لنا ان الحياة تغدو معقدة وبسيطة في الوقت نفسه كلما تقدمنا في السن. دفعني موريتي كثيراً الى التفاني في هذا الدور. في اليوم الأول من التصوير لم أكن أعرف ما يريده. كان يحضّني على الذهاب الى أبعد. في البداية، طلب اليّ أن أتعلم الحوار بالإيطالية، ثم عاد وطلب أن أتلوه بالانكليزية. فقلت له انني لا اعرف ما اذا كان في مقدوري القيام بذلك (ضحك). أرادني أن أرتجل. كان متطلباً جداً، ولكن هذا كله حملني على قبول المزيد. شاهدتُ ممثلين كثراً في حياتي وأنا أصوّر، لذا يمكنني القول إن سلوك بعضهم بمثل سلوك الشخصية التي اضطلع بها.

* هل حكاية ستانلي كوبريك من اختراعك أم اختراع موريتي؟

- لم أعد أذكر اختراع مَن. أخبرته قصتي مع كوبريك. لم أعمل مع كوبريك، كلّ ما في الامر أنه أرادني أن أكون في "العيون المنغلقة باتساع"، إلا أنني لم اكن متوافراً لسنتين. كان يفكر فيّ لدور عازف البيانو الذي يظهر في البداية والمنتصف والنهاية. تحدثنا لساعتين كاملتين في الهاتف. صارحته بأنني لستُ متأكداً من أنني حرٌ طليق في الفترة المقبلة. كثرٌ من الممثلين طُردوا من تصوير فيلم كوبريك لأنه لم يكن في مقدورهم العودة الى التصوير، ذلك أن ستانلي كان يريدهم أن يعودوا الى لندن ليكرر تصوير لقطات كان سبق أن صوّرها معهم.


* هذا يعني أنك أدرجت بعضاً من قصتك الحقيقية في الفيلم...

- ليس بشكل كامل، ولكن هناك شيء أو أشياء منها. ثمة بذرة. هكذا نعمل عادةً: نأخذ حكاية نبلورها ونجعلها أكثر طرافةً.

سيناريست في "بارتون فينك" للأخوين كووين.

* من أظرف التعليقات في الفيلم تعليق مارغريتا التي تطلب من ممثليها أن يكونوا في محاذاة الدور بدلاً من أن يكونوا الدور...

- عبارة "كن في محاذاة الدور" يستعملها ناني على ما يبدو، مع أنه لم يقلها لي قطّ. لا أعرف ماذا يقصد بها. ربما يعني أن تخرج من شخصيتك للحظات وتحللها ثم تعود اليها. يحتاج التمثيل الى أن تمكث على مسافة من الشخصية التي تجسدها. لا أحد يفهم هذه النظرية تماماً، لذلك نراه يسخر منه في الفيلم.

* هل الفكرة كانت متأصلة في السيناريو أم أنها متأتية من التصوير؟

- لا، كانت في السيناريو الذي وجدته رائعاً منذ البدء. فيه العديد من الأشياء التي لم نعتمدها. كان عندي خطاب عن التمثيل لكنه سقط للأسف من الفيلم.

* كم في المئة من هذه الشخصية أنت؟

- عليك أن تحذر: أنا من الممثلين الذين يحضرون قبل بدء التصوير، وأحاول أن أتمالك نفسي عند التعاطي مع المخرج. اذا لم أُحب المخرج، أحاول على الأقل أن أكون متزناً معه. حدث هذا غير مرة. الممثل الذي اضطلع بدوره هنا لم يستعد كما يجب لمباشرة التصوير. عملتُ مع ممثلين - سواء كممثل أو مخرج - كانوا لا يحفظون حواراتهم. هذا تصرف غير مقبول. هل تعلم كم كلفة الدقيقة الواحدة في السينما؟ بعضهم يأتي الى التصوير وهو في حال سكر، آخرون يقرأون من ورقة أمامهم. حتى مارلون براندو كان يفعل ذلك...
(بعد تردد) طبعاً، عندما طعن في السن. لا اعتقد أنه فعل هكذا في شبابه. من أصعب التجارب أن تمثل مع شخص لم يحفظ حواره، فينظر اليك وأنت تجهل ماذا تفعل. اذا كانت الكاميرا مصوّبة في اتجاهك، تحاول أن تساعده. والا، عليك بالفشل. في حياتي، رأيت أنواعاً عدة من الممثلين.

فرعوني في "سفر الخروج" لريدلي سكوت.

* قبل 32 سنة، كنت هنا في كانّ مع فيلم "بارتون فينك" لجويل وايثان كووين، والآن الأخوان في صدد تقويم عملك كممثل.

- (ضحك). سأراهما الليلة. إنهما صديقان مقرّبان. أعتقد أنهما سيصغيان الى باقي أعضاء لجنة التحكيم. اذا لم تخنّي ذاكرتي، أعتقد أن صداقتنا تعود الى العام 1984.

* هل تميل الى العمل مع أناس تعرفهم جيداً؟ أقصد العمل بمفهوم العائلة السينمائية.

- نعم، أحب ذلك. عندما تباشر مشروعاً جديداً مع اشخاص جدد لا تعرفهم، تجهل كيف سيكون شكل العمل ومضمونه. اذا عاودت العمل مع ناني مجدداً، اعرف على الاقل ماذا ينتظرني. يدفعني هذا الى أن أستعد استعداداً أفضل. فاجأني مثلاً أنه يكرر اللقطة بهذا العدد من المرات. كان يكرر الى ما لا نهاية.

* أيتعبك التكرار؟

- أحياناً أتعب. وأحياناً أتجاوز التعب من فرط التكرار. لكن أفضل أن أعطي أفضل ما لديّ منذ اللقطات الأولى. أحياناً اللقطة الأولى تكون طازجة. وأحياناً، يفرض التكرار نفسه لبلوغ نتيجة أفضل. يجب عدم الاستهانة باللقطة الأولى. قد لا تكون الأفضل اذا انطوت على حوار طويل. في كلّ حال، كل شيء يتوقف على كمية الوقت التي في تصرفك. ناني لديه الكثير من الوقت بالنحو الذي يعمل به. حتى التصوير بعجلة قد يشكل عاملاً إيجابياً. عندما عملتُ مع وودي آلن، كان يرفض أن يعاود اللقطة عشر مرات. الحد الأقصى الذي كان يقبل به هو ثلاث مرات. في كل مرة، كان جيداً. لم يكن يحتاج الى المزيد من المرات. في مشهد المطعم في "أمي"، كررنا كثيراً. كان المشهد أطول وفي آخره أحطم الصينية. حطمتُ نحو 30 صينية. في التمثيل، لا توجد طريقة نموذجية. كلٌّ يبحث عن طريقة يجد نفسه فيها. البعض لا مشكلة لديه من التكرار والبعض يملّ ويمتعض. هناك مثلي مَن هم في منتصف الطريق. ان بعض الممثلين يرغبون فعلاً في تكرار اللقطة بناء على رغبة في أن يقدموا ما هو أفضل. كان هناك مشهد في "أمي" أردتُ تكراره، للأسف سقط من المونتاج النهائي. وكنت أدّعي فيه أنني كررتُ اللقطة الواحدة مئة وخمس مرات عندما اشتغلتُ في إدارة كوبريك (ضحك). لما عملتُ مع روبرت دو نيرو كان يكرر مراراً. عندما أكون خلف الكاميرا لا أكرر كثيراً. لكنني على استعداد لتكرار اللقطة الواحدة عشر مرات اذا اقتضت الحاجة ذلك. سيدني لوميت مثلاً كان يجري تمارين للفيلم كله طوال اسبوعين، ثم يكرر كل مشهد مرتين. التمثيل منتهى الروعة في أفلامه. هذا يدفع الممثل الى أن يقول في نفسه: "يا إلهي، ليس لديَّ سوى لقطتين، الأفضل أن أكون جيداً". أحياناً، تمثل في مشاهد لا تصمد في المونتاج، لكنك تختبر شيئاً ما من خلال قيامك بها.

مع وودي آلن في "جيغولو متدرب" من إخراجه.

* في مقابلة مع موريتي، قال إنه كلما وقف خلف الكاميرا شعر بأنها المرة الاولى. ماذا عن شعورك أنت حيال ذلك؟

- في مكان ما، نعم. لم أُخرج بقدر ما أخرج موريتي من أفلام. لديّ خمسة كمخرج. التحقتُ أخيراً بمسلسل من تسع حلقات كتبه ستيفن زاليان. الغريب أنه منذ اليوم الأول يعتريك الشعور بأنك ستبقى في مشروع كهذا سبعة أشهر متتالية. ولا نعرف في مثل هذه الحال مَن سيحكم على البلاتو. أحياناً مدير التصوير هو الذي يمسك بزمام الأمور. وعليك انتزاع فضائك وسط هذا كله. اذا كنت قامة كبيرة، سهل عليك انتزاعها.

* ربما ما تقوله عن سلطة المخرج صالح أكثر للولايات المتحدة منها في أوروبا حيث السلطة للمخرج...

- عملتُ مع أنواع مختلفة من المخرجين، في أوروبا وخارجها. كلّ شيء يتوقف على علاقة المخرج بمدير التصوير. عندما عملتُ مع فرانتشيسكو روزي، اكتشفتُ كمّ علاقته وطيدة بباسكوالينو دو سانتيس. طبعاً لم يكن يسمح له بتولي الإخراج، ولكن كانت ثمة علاقة متقاربة بين الرجلين. معاً، أنجزا أفلاماً مهمة. كلّ مخرج مختلف عن الثاني. الأخوان كووين يسبق التحضير عندهما التصوير. المخرج الجيد يساعد الممثل ويتيح له فرصة الخروج عن النص الجامد الى حدّ ما، حتى اذا جعلك هذا تدخل الحائط. الأفضل أن تحاول وتفشل المحاولة من أن لا تحاول البتة. في هذا المجال، كان ناني رائعاً، اذ سمح لي بأن أقوم بأشياء مختلفة وأرفع سقف التحدي.

بلغتُ عمراً لم يعد عندي فيه مشكلة أن أقول لأحدهم إنني لا أستسيغه أو لا أريد العمل وإياه. لم أجد نفسي في وضع كهذا الى الآن ولم أُطرَد من أي تصوير، ولكن اذا حصل ذلك، فسأقول للمخرج: "اذا لم يعجبك ما أقوم به فتخلى عني". المسألة بتلك البساطة. عندما كنت أصغر سناً، عملتُ مع مخرجين قساة مثل وليم فريدكين ومايكل تشيمينو، ثم اتخذتُ قرار رفع صوتي، والا مرّ عليك الناس كالبلدوزر. أميل الى الرقة في التعامل مع الناس، ولا أحبّ المخرجين الذين يتصرفون كجنرالات. في مجمل الأحيان، لا أتدخل خلال التصوير في ما لا يعنيني. أصرف النظر عندما لا يعجبني النحو الذي يعمل به المخرج. اذا لم تكن الإضاءة وفق ذوقي الخاص فسأقول "أوكي" وأمضي الى العمل. ستفاجأ اذا أخبرتك كيف يعمل بعض أشهر الناس في السينما. هناك مَن يفتقر الى الثقة في الذات بشكل مخيف. يخافون السقوط من المرتبة التي وصلوا اليها ويخافون. هذا من دون الحديث عن الغيرة بين الممثلين، والتسابق الموجود بينهم. أحياناً ترى أن الممثلين غير المكرسين أقل قلقاً منهم، وتجدهم مهيئن لكلّ الادوار، أكانت صغيرة أم كبيرة.

* ولكن، كيف هي حياة الممثل بين مشروعين؟

- عندما تنتهي من تصوير فيلم، إما تبدأ رحلة البحث عن عمل جديد وإما يصلك الى بريدك الالكتروني. أحياناً تعرّج على المسرح أو تعود الى الاخراج. أنا مغرم بالمسرح لأن الجميع فيه متساوون. مهما كان حجم دورك فأنت تحتاج الى الآخر. هناك أخذٌ وردّ. الأمر مختلف في السينما. أحاول دائماً ألاّ أبقى بلا عمل.

(...) انطوني كوين قال لي ذات مرة إن أسوأ شخص يمكن أن تصادقه هو الممثل. فعلاً، التمثيل وسيلة عبثية لكسب العيش. فأنت في سيرك مستمر، في دوامة عبثية. حتى أكثر الناس عبقرية من مثل فيلليني، ما إن يطعنوا في السن حتى يصعب عليهم العثور على المال لإتمام أفلامهم. لا يعود في إمكانهم أن يفعلوا ما يشاؤون. لذلك، تجد نفسك محظوظاً. من ناحية اخرى، الكلّ يرغب في دخول السيرك من دون أن يعلم ماذا يوجد في داخل هذا السيرك.
الشهرة مدمرة. يصبح العالم فجأةً أقل حجماً، ضيقاً... أنا أستطيع أن أصعد إلى قطار وأذهب حيثما شئت. عندما عملتُ مع بول نيومان قبل سنوات، كان يقول لي: "أريد أن أذهب الى المكان الفلاني لكني لا أستطيع". شأنه شأن روبرت ردفورد. عندما أجرينا مقابلات ردفورد وأنا في باريس، كان ينوي زيارة اللوفر أو مركز بومبيدو ولكنه كان يتفادى مواجهة الناس. هناك ثمن يجب أن تدفعه لهذا كله. والناس لا يتعاملون معك بسوية. نتيجة ذلك، الحياة تصبح ضاغطة وتشعر بأنك تعيش في فقاعة.

اثناء تصوير "شغف"، وثائقي عن الموسيقى في نابولي.

* هل ثمة شخصية تميل اليها من بين تلك التي جسدتها؟

- لا. هناك أدوار أعتز بأني أدّيتها وأدوار لا أجد نفسي فيها.

* ما علاقتك بجذورك الايطالية؟

- عملتُ كثيراً في إيطاليا. سبق لي أن أخرجتُ فيلماً وثائقياً عنوانه "شغف"، عن الموسيقى في نابولي. في سجلي أفلام إيطالية من توقيع فرانتشيسكو روزي وجوليو بونتيكورفو - والآن ناني موريتي. عموماً، أعشق العمل في أوروبا، نقطة على السطر. في الحقيقة، أنا مهتم بالكثير من السينمائيين الإيطاليين، وناني واحد من هؤلاء. فهو يعرف كيف يضع نصاً ذكياً، ويمتلك موهبة كتابية كبيرة. تستهويني مقاربته الصارمة للأشياء والأفكار التي تنطوي عليها سينماه. ليس هناك أجمل من فكرة الأم المحتضرة التي تصبح محلاً مشتركاً بين الجميع. هناك أشخاص كهؤلاء في عالمنا؛ هم ناس غير معروفين وقليلو الاعتبار لكنهم يلقون بظلالهم على الذين من حولهم.

خيسوس كوينتانا في "الليبوفكسي الكبير" للأخوين كووين.

* هل تتكلم عن تجربة شخصية؟

- عندما قرأتُ سيناريو "أمّي"، كنت فعلاً مقرباً من أمّي. عبرتُ في مرحلة مثل تلك التي تعبر فيها مرغريتا. لم أكن أصوّر فيلماً، ولكنني كنت أمثل. صدّقني، حياتك كلها تتغير. تأثرتُ عندما قرأتُ السكريبت، وجدتُ فيها انعكاساً لتجربتي. أعتقد أن الأمّ لا تمر في حياتنا من دون أن تترك فينا أثراً عميقاً. طبعاً، هذا اذا كنت محظوظاً وكانت علاقتك بأمّك عميقة. كان لي صديقٌ مدرّس كبير توفي أخيراً. عندما ذهبتُ الى عزائه، جلستُ الى جانب زوجته السابقة وسمعتُها تقول: "يا إلهي، كم كان محبوباً، مع أنه كان زوجاً لا يُطاق". قلتُ لها ربما وجد طلابه فيه شيئاً لم تلمسيه، وهذا مرجح لأنه في بيئته. ليس الجميع مؤهلاً ليؤسس عائلة ويتزوج. بعضهم موهوب لأمور أخرى.

* كممثل، هل لديك فيلم تفضله على أفلام أخرى؟

- أحياناً، تكون قد مثلت في فيلم يعجبك وتؤمن بأنه لم ينل حقه. قلبي يهتف للفيلم الذي أنجزته مع فرانتشيسكو روزي مثلاً. أما "بارتون فينك"، فأقدّره اليوم أكثر مما كنت أقدّره سابقاً. آنذاك، عندما شاهدته، لم أفقه شيئاً منه. كان "كثيراً" ("تو ماتش") بالنسبة لي. عاودتُ مشاهدته منذ فترة ليست ببعيدة وقلتُ لنفسي: "واو، جيد هذا الفيلم!". عموماً، لا أعود كثيراً الى الأفلام التي مثّلتُ فيها. بين حين وآخر، وأنا أقلّب المحطات التلفزيونية أصادف فيلماً مثّلتُ فيه، فأسمع زوجتي تصيح: "واو"!

hauvick.habechian@annahar.com.lb

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard