هرتا مولر: جوعٌ يصعب إشباعه

8 حزيران 2015 | 21:17

المصدر: "النهار"

ثمة مصدر هجس وحيد عند الألمانيّة ذات الأصول الرومانية هرتا مولر التي ما تنفكّ تلقي بتجربتها التأليفية في حقبة الديكتاتور الروماني تشاوتشسكو. ظلّ نصّها رابضا في الخانة الإستبدادية عينها من دون تردّد، في حين حَمَلت السيدة ألمها كتميمة لتدفع عنها شرور الشحّ الإبتكاري. والحال ان الهجس ليس هنة في الأدب، من شأنه، على نقيض ذلك، ان يصير الحافز إلى كلام مباشر ومن النسق المغامر الذي يُعرب عن كل ما يجول في ذهنه.

آمنت مولر على الراجح بإدعاء بروست أن الاكتشاف لا يرتبط بالبحث عن مناظر جديدة وإنما بامتلاك العيون الجديدة. فراحت تُمعن النظر في الأسى المُمنهج والمستمرّ وقاربته من الجوانب كافة، علّها تدرك السبيل إلى ترويضه أخيرا.

جمعَت علاقة ملتبسة مولر ببلاد المنشأ رومانيا حيث انتمت إلى الأقليّة الألمانية، غير ان الرابط الذي شابَهُ الإرباك لم يتسلل إلى نبرة كتابية أتت شاعرية وصريحة في معظم الأحيان واعتمدتها لتصِف من طريقها مشهديّة المنبوذين من أقرانها. وربما يكون "في الفخ" - وهو بمثابة نص في ثلاثة نصوص - التأمّل الأكثر تعبيرا عن حبل السرّة الذي يستحيل أن ينقطع بين السيرة الذاتية والسيرة الأدبية. في حين لم يُقدّر للعنوان (الذي صدر في عام 1996) الإنتشار كما سواه، ولم يجرِ الاهتمام كثيرا بنقله عن الألمانية، تعيد إليه حركة إصداره بالقشتالية أخيرا، شيئا من الضوء. ها نحن نرجع إلى تأمّل في الحال الوجودية في مضمار الكتابة من طريق ثلاثة أسماء تبدّت تجاربهم وعرة على المستوى الشخصي ولافتة على المستوى التأليفي. ها نحن في حضرة الشاعر النمسوي ثيودور كرايمير المنفيّ خلال الحقبة النازية والكاتبة الألمانية إنغ مولر التي انتحرت في عامها الحادي والأربعين، في ألمانيا الشرقية، ناهيك بروث كلوغر الكاتبة والناجية من المحرقة اليهودية.

هؤلاء ذريعة مولر لتُعرب مباشرة عن رغبتها في التمهّل عند كُتّاب اضطروا إلى تسديد الأثمان الباهظة. لهذا السبب تُعاينهم من طراز على حدة لا يُقدّم أدبا بالمعنى المتداول أي المَعنيّ بـ"الإشتغال على اللغة". يخرج هؤلاء على السياق التقليدي ذلك انهم يشكّلون على ما تجزم مولر "البرهان على مصداقية شخصيّة يتمتع بها جميع العاملين في مهنة التأليف". تزيد "من دون اللوذ بالعقيدة، يبرزون ثلّة من القيم الأخلاقية التي لا يتخلّون عنها أبدا، وإن مورس عليهم ضغط سياسي هائل أو تعرّضوا لتهديد جدّي إستهدف سلامتهم. خلال أعوام مديدة، كان مؤلّفو هذه النصوص ومن طريق عناوينهم أشخاصا رَغِبتُ في صداقتهم بل وتَخيّلت هذه الصداقة حين بحثتُ عن ملجأ، في حقبة خضوع رومانيا لنظام تشاوتشيسكو". كان هؤلاء بالنسبة لمولر الملجأ والراحة والأمان.

في الكِتاب ثمة استدعاء لشعراء موتى في وسعنا أن نتحدّث عنهم بصيغة المضارع، وإن في أعقاب رحيلهم، لتغدو التجربة السردية تحية إلى ثلاثة أصوات أسَّست لانتظارات مولر الفرديّة. نجد في كنفها تفاوضا دائما بين الفظّ والجميل وبين البراءة والوعي السردي، لنتوقف خصوصا عند إشارة مولر إلى قصيدة لثيودور كريمير تسببت لها بألم حين قرأتها لأنها أعادتها إلى حقيقة والدها المنتمي إلى وحدات النخبة النازية. نقرأ "كان والدي بالنسبة لي المثال الأول على ناس يتحولون إلى مُذنبين بدفع من الجهل بداية، ومن التكيّف أو اللامبالاة لاحقاً. عَلّمتُهُ قصيدة "فرار الموت" لبول سيلان، أما هو فنظر إليّ وهزّ كتفيه فحسب".

يكتبُ سيلان في القصيدة الباحثة في موت المُعتقلات "حليبُ الفجر الأسود نحتسيكَ ليلا/ نَشْربُك ظهرا وصباحا، نشربكَ ليلا. نشربُك ثم نَشربُك". أما مولر فتتراءى في الكتاب تُنقّب عن التحرر من إثم الأب سعيا لقتله المجازي.

أنكرت مولر في أكثر من مناسبة شعورها بجوع للكلمات وحجّتها ان للكلمات جوعها الذاتي. ولأنها لم تَرْتَب على ما يبدو من التعاطي مع الكلمات وهي مادة النصوص الخام، كانت لها الجائزة الأرفع: "نوبل" الآداب في 2009.

أما من خلال "في الفخ" فتنحو مولر صوب جوع من طراز مختلف ويتعذّر إشباعه.
تكتبُ عن المرء الذي وحين يشعر بالخوف "يصير جائعا للحياة".

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard