صرخة حقّ تكفيراً عن ذنوبنا: نعم للعُرْي لا للمحرّمات!

3 حزيران 2015 | 11:05

مشهد من فيلم "الزين اللي فيك" للمخرج المغربي نبيل عيوش

أثار فيلم "الزين اللي فيك" للمخرج المغربي نبيل عيوش الذي عُرض في مهرجان "كانّ" في دورته الاخيرة بلبلةً كبيرة وزوبعة من الانتقادات والأخذ والردّ سواء في الوسائل الإعلامية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي. الفيلم الذي يتطرّق إلى الدعارة في المجتمع المغربي وواقع الفتيات والعوامل التي تدفعهن إلى اللجوء إلى بيع اجسادهن، استثار حفيظة عدد كبير من المسؤولين والسلطويين والدينيين الذين دعوا إلى منع عرض الفيلم لكونه يحوي مشاهد فاضحة تخدش الحياء العام وتشوّه صورة البلد وطبعاً المرأة. لكن اللافت، أخيراً، وفي صورة متناقضة، إحياء المغنية والممثلة جنيفر لوبيز حفلاً غنائياً ضمن فاعليات مهرجان "موازين" ارتدت فيه ثياباً أقرب الى لباس البحر مع عدد من الراقصات اللواتي كنَّ شبه عاريات، وهذه المشاهد قد تكون أكثر سخونة من تلك التي يضمّها الفيلم موضع الجدل. لماذا، إذاً، هذه الهجمة الشرسة على فيلم وصّف واقعاً سائداً وظهّر حالة متغلغلة في المجتمع؟

القضية هنا، ليست قضية مشاهد جنسية أو مسّ بكرامة المرأة أو البلد بقدر ما هي تعرية لواقع مسيطر وخلخلة لبنى عقلية مقولبة وموروثات اجتماعية ودينية مهترئة وبالية نرفض الإقرار بها والإفصاح عنها. الإشكالية، أو الطامة هنا، أنه طالما الأمور تحدث بالخفاء والسرّ من غير أن تطفو إلى العلن، وطالما أن الواجهة العامة للمجتمع ناصعة برّاقة لمّاعة، وطالما أنها لا تتهدّد أصحاب المناصب العليا ومصادر أموالهم، وحتّى لو نخر الفساد والفقر والظلم والبؤس كل مفاصل المجتمع وعظام الشعب، فلا بأس بالأمر فهذا ما كتبه الله لعباده!

وتعقيباً على المسألة، وفي حادثة تصب في السياق عينه، طالبَتْ أخيراً المخرجة المصرية إيناس الدغيدي تنظيمَ الدعارة كمهنة، فتعالت الأصوات المعتادة المأجورة مندِّدةً،وهبّ أحد الأشاوس الأطهار، وهو واحد من هذه الأبواق التي تعتاش من استغلال هكذا قضايا، يتّهم المخرجة بأنها تدعو إلى الفسق والفجور، وبدأ عزفَ سمفونية الوعيد والتهديد والثبور وعظائم الأمور والاستقواء على "حرمة". حقّاً، ما أكثرَ الذئاب في ثياب الحِملان وما أوسعَ عباءة الدين! أجمدُ للحظات، أسترسلُ عميقاُ في تأمّل واقعنا العربي، وفي كلام هذا الرجل الصدوق، فهل أنا غافل عن رؤية هذه المدينة الفاضلة والمثالية؟ مددْتُ إصبعي فانفقأَتْ هذه الفُقّاعة وتطايرت أجسام التكاذب والرياء والخبث أشلاء ونتفاً وإرباً. صدقَ خليل حاوي حين قال:
"تولدُ الفكرةُ في السوق بغياً... ثم تقضي العمر في لفق البكاره"، ويا للأسف، هذا واقع مجتمعاتنا العربية المرير.

دائماً هناك هذا "المسكوت عنه"، هذا "العيب"، هذا "الحرام". على الزوجة أن تُضرب وتُشتم وتُغتصب وحتى تُقتل فقط حفاظاً على زواجها واولادها أو بالحري على صيت العائلة وصورتها ورضخاً للعادات والتقاليد. تُغتصب الفتاة هي المُلامة، هي استثارت غرائز الذكر، وهي من تُحاسب إما بتزويجها بمغتصِبِها أو إخفائها أو قتلها. لا فتيات هوى عندنا أو دعارة، فقط نمارس الجنس معهنّ في الغرف السرية والبلاطات تحت أجنحة الظلام، ونتقاسم أموالهن في المساءات وننتقم من ضعفنا بضربهنّ ونحن سكارى مع العلم أننا حرّمنا هذا المنكر.

لا شفاء من أمراضنا الاجتماعية ما لم نضعْها على مشرحة النقد والنقاش الجدّيّ والصريح، ما لم نقُلِ الأمور كما هي، ونسمِّ الأشياء بمسمّياتها، من دون مواربة أو مجاملات، ما لم نتخلّص من براثن عقليات متحجّرة خشبية مريضة منفصمة، تمارس سراً ما تحرّمه جهاراً، مستغلّةً الدين وأصحاب النفوس الضعيفة والجاهلة منها لغاياتها الضيقة والشخصية. لا ينخدعنّ أحدٌ بعد اليوم بهذه الاصوات المخاتلة، المراوغة، المنافقة، فإخفاء عورتنا وموبوءاتنا الاجتماعية وعقدنا النفسية والتعامي عن الحقائق لا يلغيها أو يفيدنا في شيء بل يفاقم الأمور ويزيد الطين بلة.

لمرة واحدة فقط، فلنكُنْ مع العري والتعرية، ولنعلنْ ذلك علناً وجهاراً، ولنصرخْ عالياً، ولتكُن صرختنا مدوية مزلزلة هدّامة، صرخة تنبع من أعماقنا جارفةً معها ما اعتمل في قلوبنا من قهر ومأساة وقمع وانكسار وخيبات. فلنطلِقها صرخةَ حقّ في وجه الانتهازيين والعدميين والظلاميين تكفيراً عن ذنوبنا ودَيْناً لأنفسنا: نعم للعُرْي الفضّاح لا للكُسوة الساقطة. نعم للعُري لا للمحرَّمات. لا للأقنعة، لا للازدواجية والتلوّن. نعم لانتفاض الرقاب على السيوف المصلتة.

فلنُعَرِّ أنفسنا من كل شوائبها وأدرانها وأوساخها، ولنُعَرِّ مغتصبي السلطة والمناصب من زيف أقوالهم وأفعالهم ومكرهم ولصوصيتهم، ونُحيلُهم على محاكم الزمن ونقتصّ منهم بالانتصار للحرية والعدالة والإنسانية. نعم، فلنعُد إلى الطبيعة البِكْر، فلنقِفْ عراةً أمام الشمس، عندذاك ستبينُ الوجوه الكالِحة النتنة من الوجوه السموحة النيّرة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard