"سعفة" مهرجان كانّ: النبي يثأر للمهاجرين!

25 نوار 2015 | 14:50

المصدر: "النهار"

جاك أوديار.

ضربة مسرح اختتمت أمس مهرجان كانّ السينمائي (13 - 24 الجاري). التوقيع: الأخوان كووين الأميركيان، رئيسا لجنة تحكيم الدورة 68. الحدث غير المتوقع: اسناد "السعفة الذهب" إلى المخرج الفرنسي جاك أوديار عن فيلمه "ديبان". لوهلة، اعتقدنا أنفسنا في أحد أفلام هذا الثنائي الذي جاء الى المهرجان ضاحكاً وغادره محمّلاً الهموم. طوال الأيام الـ12 التي استغرقتها التظاهرة السينمائية الكبرى في العالم، لم يعبر في بال أحد أن تذهب الجائزة المهيبة الى جديد مخرج "نبي" الذي عُرض للصحافة صباح الخميس الفائت، وانقسم حوله النقّاد كما معظم أفلام هذه الدورة. يقال ان كثراً من السينمائيين لا ينالون جوائز عن أفضل أعمالهم. "ديبان"، بالنسبة الينا على الأقل، ليس أفضل ما قدّمه صاحب الروائع السينمائية، من مثل "من الخفقان قلبي توقف"، و"عن الصدأ والعظم" و"على شفتي". الفوز الكاسح لـ"ديبان" كان الأجدر بفيلمه "نبي" أن يحققه، الا انه اكتفى آنذاك في العام 2009 بجائزة لجنة التحكيم الكبرى. كأن نبي أوديار يثأر للمهاجرين!

"ديبان" لجاك أوديار: "سعفة" كانّ 68

"ديبان" كان واحداً من أكثر أفلام المسابقة بهتاناً. المشكلة، عموماً، كانت كبيرة مع الأفلام الفرنسية التي اختارها المهرجان داخل المسابقة الرسمية. "ملكي" لمايوان (نالت ممثلته ايمانويل بركو جائزة التمثيل مناصفة مع روني مارا عن دورها في "كارول" لتود هاينز) و"مارغريت وجوليان" لفاليريا دونزيللي، تعرّضا لسخرية الصحافة الدولية ونالا بعد فيلم غاس فان سانت الكارثي، أدنى العلامات في تقويمات النقاد المنشورة في مجلة "سكرين". يأتينا أوديار بفيلم غير مقنع لا يعلن فيه اي موقف من قضية الهجرة غير الشرعية التي يصوّرها واضعاً ايانا في منطقة التباس شامل وكامل.
أوديار البالغ من العمر 63 عاماً هو نجل ميشال أوديار، أشهر كاتب حوارات في السينما الفرنسية. المراجع تحفل بمقتطفات من الحوارات الطريفة التي ألّفها لعدد كبير من كلاسيكيات السينما الفرنسية. أوديار الإبن شقّ طريقه بخطى بطيئة ولكن أكيدة وعنيدة. بعد "انظر الرجال يسقطون"، شاهدنا له "بطل محتشم"، تجربته الاخراجية الثانية، وكان عملاً سليماً ومضبوطاً لسينمائي اكتسب أصول المهنة من خلال ممارسته فنّ المونتاج أولاً، ومشاركته في كتابة السيناريوات ثانياً. معه، تعود "السعفة" الى فرنسا، بعد سنتين من فوز "حياة اديل" لعبد اللطيف كشيش بها.

"ابن شاوول" للازلو نَمَس: الجائزة الكبرى

الجائزة الثانية من حيث الأهمية، اي ما يُعرف بـ"الجائزة الكبرى"، كانت مستحقة. فمنذ عرض "ابن شاوول" (نال ايضاً جائزة فيبريسي)، وضعنا مخرجه الشاب لازلو نَمَس (38 سنة) أمام جوهرة من جواهر كانّ، لا يمكن نكران بريقها. يتحدر هذا المجري من عائلة وقفت في وجه النظام الشيوعي، وهو خلاصة اللقاء بين ثقافتين، مجرية وفرنسية. عمل لسنتين مساعد مخرج للمعلم المجري بيللا تار، فترك فيه بعضاً من روحه السينمائية، علماً ان نَمَس لم ينكر انه استلهم فيلمه هذا من "تعالَ وشاهد"، رائعة ايليم كليموف عن المجازر التي ارتكبها النازيون في روسيا البيضاء. "ابن شاوول" تجري فصوله في داخل محرقة في أوشفيتز، في تشرين الأول من العام 1944. لا يخفي نَمَس انه انطلق من رغبة ملحّة لديه في أن يصوّر اولئك الذين خسروا أرواحهم فيها وليس مَن تمّ انقاذهم، فقط لاعادة الاعتبار الى ضحاياها وليس الى الناجين. تجربة قاسية على المُشاهد في كل الاعتبارات، اذ يضعنا الفيلم طوال ساعتين من الزمن في الجحيم!

لازلو نَمَس.

"القاتلة" لهاو شياو شيين: جائزة الاخراج

المعلّم التايواني هو شياو شيين الذي روّجت الصحافة الفرنسية ترويجاً راديكالياً لفيلمه "القاتلة"، تُوِّج بجائزة الاخراج ("ميز ان سين"). في صحيفة "ليبيراسيون"، كتب الناقد المعروف ديدييه بيرون ممازحاً في مقالته التمجيدية عن الفيلم، انه اذا لم ينل شياو شيين "السعفة"، فسيستل السيف، لأن الأمور لن تسلم، وعلى لجنة التحكيم أن تبحث عن باب الطوارئ. بعد سبع سنوات غياب عن السينما، وعدد من التحف السينمائية، من مثل "ثلاثة أزمنة" و"ميلينيوم مامبو"، يعود شياو شيين الى صين القرن التاسع عندما كانت تحت حكم سلالة تانغ. طبعاً، لا غبار على الفيلم من الناحية الاخراجية وإن كنا نميل ايضاً الى اخراج فيلم آخر هو "سيكاريو" لدوني فيلنوف. "القاتلة" يسجل المشاركة السابعة لرائد السينما التايوانية في كانّ، وهو لم يتوانَ عن الاعلان خلال تسلمه الجائزة من يديّ فاليريا غولينو انه بات صعباً عليه انتاج أفلامه.

لاندون وبركو ومارا: جائزة التمثيل

"قانون السوق" لستيفان بريزيه يتحدث عن رجل عادي "من الشعب"، يخسر وظيفته، وتترتب عليه اعالة زوجته وابنه ذي الاحتياجات الخاصة، فينزلق تدريجاً في فخّ الليبيرالية المتوحشة التي تحكم أوروبا، ويبصح لقمة سائغة في فمها الكبير. هذا الفيلم الذي يتولى بطولته فنسان لاندون (هو منتجه ايضاً) جعله ينال جائزة التمثيل. كانت طلة لاندون مشبعة بالانسانية، صادقة وعميقة. وكمّ كان مؤثراً خلال المؤتمر الصحافي. كادت دمعة تتدحرج من عينيه. قال: "عندي شعور بأن كلّ الادوار التي اضطلعتُ بها في حياتي وُجدَت كي تفضي بي الى هذا الدور. المخرج ستيفان بريزيه أثار فيَّ اشياء لم أكن اعرفها عني. كنت اجهل انني اعبّر الى هذه الدرجة وأنا صامت مثلاً. أحب التمثيل لأنه يسمح لي بأن أكون انتم وبأن تكونوا أنا. لم أعد في الخامسة عشرة، أنا رجل في الخامسة والخمسين، وفي مثل هذا العمر نتأمل كثيراً ولا نتوقع شيئاً، او نتوقع كثيراً ولا نتأمل شيئاً. هذه الجائزة الأولى انالها في حياتي".

فنسان لاندون.

لانتيموس وفرنكو: تحكيم وسيناريو

ابن كانّ، اليوناني يورغوس لنتيموس، كوفئ عن عمله البديع "سرطان البحر" بجائزة لجنة التحكيم وإن كان يستحق أيضاً جائزة السيناريو (ذهبت الى ميخيل فرنكو عن "كرونيك" مع تيم روث في دور رجل محتضر)، لكن النظام الداخلي للمهرجان لا يسمح بإسناد أكثر من جائزة إلى فيلم واحد ــ مع التذكير بأن الأخوين المحكّمين نالا ثلاث جوائز من يد رومان بولانسكي يوم عرضا في كانّ تحفتهما "بارتون فينك" (1991). ولكن مذذاك، تغيّرت أشياء كثيرة على الكروازيت. في "سرطان البحر"، يلقي بنا لنتيموس في مجتمع مستقبلي حيث العثور على شريك ليس خياراً بل واجب. بعد موت زوجته، يقرر مهندس معماري (كولن فارل) الذهاب للعيش في فندق فاخر. بيد ان للعيش في هذا الفندق شروطاً صارمة: فالضيف لديه 45 يوماً ليعثر على توأم روحه من بين قاطني الفندق، والاّ تحول حيواناً. لحسن الحظ، يحقّ له ان يكون الحيوان الذي يريده.

يورغوس لانتيموس.

ايلي داغر: "سعفة" الفيلم القصير

لعل الحدث الاستثنائي الذي رافق حفل ختام الجوائز في مسرح "لوميير" هو نيل الفيلم اللبناني، "موج 98"، لإيلي داغر جائزة "السعفة الذهب" في فئة الفيلم القصير. فئة ترأس تحكيمها المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو وكانت عضويتها للمخرجة اللبنانية جوانا حاجي توما. "موج 98" فيلم تحريك من 14 دقيقة ونصف دقيقة، التقط داغر المَشاهد بالتصوير الحيّ قبل ان يحوّلها الى تحريك. المخرج البالغ من العمر 30 عاماً متخرج في جامعة "ألبا" اللبنانية ويقيم حالياً في بلجيكا، وفيلمه هذا هو أول شريط لبناني، لا بل عربي، يفوز بمثل هذه الجائزة في كانّ.

أنييس فاردا: "سعفة فخرية"

لحظة مفعمة بالمشاعر كانت أيضاً لحظة صعود المخرجة الفرنسية الكبيرة أنييس فاردا ( 86عاماً) وفوزها بـ"سعفة" فخرية عن مجمل أعمالها (بدأت في العام 1955)، فاستعرضت مسيرتها بكلمات بسيطة قائلة ان أفلامها لم تدر الأرباح يوماً، ثم حكت كيف جاءت الى كانّ للمرة الاولى، وكيف عرضت فيلمها الأول في صالة استأجرتها في شارع أنتيب (المحاذي للكروازيت)، وحضر العرض آنذاك نحو من 40 شخصاً، وكان ذلك بناء على نصيحة من أندره بازان. "النهار" كانت قد نشرت مقابلة معها أجريت في مهرجان لوكارنو الأخير (كرّمها ايضاً)، وكانت تقول فيها: "الحرية عندي هي الاّ ألهث خلف المال والنجاح. الحرية هي احياناً الاّ أربح شيئاً وان أقول في ذاتي "انا حرة"!

باولو سورنتينو: أسوأ مخرج في العالم!

وأعلن العضو في لجنة التحكيم المخرج الكندي كزافييه دولان (أصغر الأعضاء سنّاً) انه يشعر نفسه شخصاً أفضل بعدما شاهد كل هذه الأفلام وأمضى ساعات يناقشها مع رفاقه في اللجنة، وكان النقاش يشمل أصغر تفاصيل العمل. في حين قالت زميلته الاسبانية روزي دو بالما ان فعل المشاهدة جعلها تدرك كمّ ان انجاز فيلم أمرٌ صعب. بيد ان الخاسر الكبير في هذه الدورة كان المخرج الايطالي باولو سورنتينو وفيلمه "شباب" الذي قيل انه تم استبعاده انسجاماً مع الحملة التي شُنّت ضده في الصحافة، اذ كتبت مجلة "ليه انروكوبتيبل" ان سورنتينو هو أسوأ المخرجين في العالم. واضح ان الناقد رومان بلوندو صاحب هذا الكلام، لا يشاهد الكثير من الأفلام العربية!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard