ناني موريتّي من كانّ: كلما وقفتُ خلف الكاميرا كأنها المرة الأولى!

23 أيار 2015 | 13:43

المصدر: "النهار"

ناني موريتي في كانّ (تصوير هـ. ح.).

أربع سنوات بعد "لدينا حبرٌ أعظم"، يشارك ناني موريتّي في مهرجان كانّ (13 - 24 الجاري) بفيلم "أمي" المتسابق على "السعفة الذهب". حكاية حلوة مرّة عن مخرجة تدعى مارغريتا (مارغريتا بوي) تصارع على أكثر من جبهة: شخصية، مهنية، سياسية، عاطفية. تحاول مارغريتا إنجاز فيلم جديد لها، فتعاني خلال التصوير من مشكلات مع نجم أميركي، أثول (جون تورتورو في دور فكاهي)، وعليها، في الوقت عينه، الاهتمام بأمها الراقدة في المستشفى، وبابنتها التي تمر بأزمة مراهقة. هذا كلّه، يختلط في كوكتيل من المواقف المتلاحقة يعبّر عن حال ايطاليا المعاصرة ويتيح لصاحب "غرفة الابن" أن يطرح هواجسه وقلقه ومخاوفه من خلاله.

في سطح ملهى "سيلينسيو" الواقع في أحد الأحياء المتقاطعة مع الكروازيت، نجلس مع المخرج الايطالي الكبير (62 عاماً)، تحت شمس صباحية حارقة. الرجل هادئ، يلبس قميصاً ذا مربّعات صغيرة، بشعره غير المصفوف، يخفض رأسه تلقائياً عندما يفكر في السؤال المطروح عليه كمَن يحاول أن يجد أجوبة جديدة عن أسئلة تتكرر، ثم يردّ بكلمات بسيطة مقنعة صافية على شكل نتاجه السينمائي؛ كلمات تتلقفها مترجمته لتضفي عليها تبسيطاً من نوع آخر.

* كيف بدأت رغبتك في إنجاز "أمي"؟

ـــ عندما كنت أُنهي مونتاج فيلمي الأخير، "لدينا حبرٌ أعظم"، توفيت أمي. كانت معلّمة في مدرسة فيسكونتي في روما طوال 33 عاماً. لسنوات، كنت ألتقي أسبوعياً بناس يقولون لي إنهم كانوا طلابها. من خلال شهادات الآخرين، أدركتُ أنني لم أعرفها جيداً. يؤلمني كثيراً أن أقول هذا. لمّا خرج "لدينا حبرٌ أعظم" الى الصالات، بدأت تتعمق عندي الرغبة في أن أتحدث عن هذه المخرجة التي ترقد أمها في المستشفى. أجهل في الحقيقة لماذا كنت أريد الشخصية أن تكون مخرجة وليس مخرجاً، سوى انني ملتُ الى هذا الاتجاه لا شعورياً لأن وجهة النظر النسائية كانت تفتح آفاقاً جديدة بالنسبة إلى الحكاية. لم يكن في بالي أن أضطلع بدورها. لم أعد أفعل هذا لحسن حظي! طبعاً، لا نتحدث هنا عن امرأة واحدة بل عن ثلاث: أم، ابنتها وحفيدتها. الفيلم يقارب كلّ المشكلات التي تعبر في العلاقة بين أم وابنتها، لنكتشف تالياً أن العلاقة أسهل بين الأم وحفيدتها مثلاً. هذه حال ثابتة في العلاقات...

* هل يصح القول إن هذا الفيلم إعادة نظر في فنّك وفي مسيرتك كمخرج؟

- دعني أقول شيئاً مهماً: لم أصبح بالضرورة شخصاً يتعامل مع الأمور بسهولة، لأنني أمارس هذه المهنة منذ سنوات وفي سجلي أفلام كثيرة. بالنسبة لي، لا تزال عملية الخلق صعبة. الأشياء لا تأتيني هكذا. كلما وقفتُ خلف الكاميرا كأنها المرة الأولى. هذه المرة شعرتُ بـ"المرة الأولى" أكثر من أي وقت مضى. اليوم الأول من التصوير هو بمثابة يوم الاثنين لي، أو العودة الى المدرسة بعد ويك اند طويل، ولا يختلف في أي شيء عن أول يوم تصوير من أول فيلم أخرجته. لديّ المخاوف ذاتها والمشاعر ذاتها اليوم، بعد انقضاء فترة طويلة على بدايتي. ولكن لماذا تعتقد انه قد يكون إعادة نظر؟


* لأننا نتكلم عن السينما طوال الوقت، ونخوض مراحل انجاز فيلم، فضلاً عن العلاقة بين المخرج والممثلين... دعنا لا ننسى أنّ وجودك كشقيق المخرجة في خلفية الصورة يعزّز هذا الانطباع...

- لم أرد أن يكون الفيلم الذي تصوّره مارغريتا انعكاساً لحياتها الشخصية ولشكوكها، بل أردته على العكس فيلماً صلباً يعكس كاراكتيرها القوي، ويخالف الى حدّ بعيد المحنة التي تمر بها في حياتها. الأشياء في الفيلم الذي تصوّره مارغريتا لا تجدها في أفلامي.

موريتي مع مارغريت بوي في "أمي".

* لماذا لجأتَ الى الأحلام لطرح مشكلاتها بدلاً من التصدي لها في الواقع؟

- نويتُ فيلماً بطبقات عدة. وأردتُ لهذه الطبقات أن تتشابك لتخلق مزيجاً من الواقع والفانتازيا. تستهويني أيضاً فكرة ان الأشياء ستختلط على المُشاهد الى درجة انه لن يعرف هل ما يراه حدثَ فعلاً أم لم يحدث. أردتُ للفيلم إيقاعاً ملائماً لإيقاع مارغريتا وما تعبر به من محنة. كلّ شيء يحصل في حياتها دفعة واحدة وكلّ المشكلات تتساوى من حيث ضرورة الاستعجال في حلّها. فهي تعاني من مشكلة مع مرض أمها وتقلق في الوقت عينه على ابنتها. إلى هذا كله، عليها أن تصوّر فيلماً وتتعاطى مع طاقم التصوير. هذا لا يلغي ايضاً حاجتها الى المشاعر وعلاقة عاطفية.

* أكان هذا كلّه مدوّناً في السيناريو أم ابتكرته مع مارغريتا أثناء التصوير؟

- لا، الأفكار كانت مطروحة منذ مرحلة الكتابة وتبلورت عندما رافقتُ الفيلم الى غرفة المونتاج. أحاول دائماً ألا أجري تمارين مع الممثلين قبل التصوير، لأن شعوراً ينتابني بأنني أعرّض الفيلم الى خطر الاستهلاك.

* هل هذا يعني أنك تثق بممثليك؟

- بالطبع. هذا مهم بالنسبة اليّ. "أمي" هو الفيلم الثالث على التوالي، ننجزه معاً، مارغريتا وأنا. يقتصر التحضير بيننا قبل التصوير على قراءة لا تستغرق أكثر من 20 دقيقة. ولكن في موقع التصوير، الأمور تختلف كثيراً، اذ أركّز كثيراً على العمل مع الممثلين. لا أستفيض في الشرح ولا أزوّدهم معطيات عن طفولة الشخصية مثلاً، أي كلّ تلك الأشياء التي لا نراها بوضوح في الفيلم. أنبذ التنظير عموماً. أظل أعمل كي أتوصل الى ما أبحث عنه، ما دمتُ غير راضٍ عما أراه أمامي من نتيجة.

* لكننا نراكَ، في هذا الفيلم، غير رحوم مع الممثل، خصوصاً مع جون تورتورو والشخصية التي يضطلع بها: ممثل غريب الأطوار باحث عن اعتراف...

- لا. أعتقد أن هناك بعض الحنان في النحو الذي أصوّره. أجد أن لديَّ عطفاً حياله.

* لِمَ اخترتَ تورتورو للدور؟

- يعجبني جنونه. تمثيله ليس "ناتورالياً". أحببتُ فكرة أن أستعين بممثل لديه هذه العلاقة بإيطاليا. فجون تورتورو سبق أن صوّر فيلماً رائعاً عن الموسيقى النابوليتانية. ساعدني كونه مخرجاً أيضاً، لأن العمل مع ممثل/ مخرج أسهل.

* هذا الفيلم متعدد الطبقة: تتحدث عن السينما، وعن السياسة وعن العائلة... هل هذه نظرتك إلى ايطاليا المعاصرة؟

- بصراحة، أنا تائه بقدر تيه مارغريتا في الفيلم. سيكون صعباً عليّ الآن أن أقول أشياء واضحة عن بلادي. هناك شعورٌ سائد اليوم في إيطاليا، هو الاستسلام. على الأقل أستطيع أن أؤكد أنني لم أستخدم الفيلم لتوجيه رسائل مبطّنة، أو لتحميله استعارة أخرى عن أحوال إيطاليا الحالية. طبعاً، في النهاية، هناك عناصر في الفيلم متقاربة مع واقعنا، لكن من المعلوم أن المخرج لا يتحكم بكل شيء، بل يفلت الكثير من لاوعيه ويمكن أن تلتقطه أنتَ وغيرك. تعلمتُ شيئاً مهماً خلال كلّ هذه السنوات، أن الفيلم عندما يخرج الى الصالات لا يعد مُلك المخرج: يصبح مُلك الجمهور الذي يحوّله ويعطيه معنى آخر. أحياناً يشرح لك ما لم تفهمه.

* سينمائياً، ما حال إيطاليا؟

- تسعدني جداً مشاركة ثلاثة أفلام ايطالية في مسابقة كانّ. لكن هذه الأفلام، وغيرها مما يُنجَز في ايطاليا، تأتي نتيجة مبادرات شخصية، خلفها منتجون مستقلون مغامرون. هذه أفلام ليست وليدة نظام إنتاجي فاعل. إنها حال معظم الأفلام الإيطالية التي نجحت دولياً في السنوات الأخيرة.

* في "انتهى القداس"، ولاحقاً في "غرفة الابن"، كان الموت مصيبة تحلّ بالعائلة وتشكّل نوعاً من التروما، أما هنا فيبدو الموت عادياً. هل تصالحتَ معه؟

- كان يهمني في هذا الفيلم الوقوف مع الشخصيات في صفّ واحد، وليس أن أقوم باستعراض مخرج. كنت أريد معالجة إنسانية تجعلني قريباً من هؤلاء. طبعاً، الألم الذي أصوّره هنا مختلف تماماً عما رأيناه في "غرفة الابن"، حيث الموت [موت الابن] كان مرعباً وغير ناتج من أسباب طبيعية، في حين أن موت الأهل يشكل جزءاً من الحياة. انها حقيقة يجب أن نقبلها ونتصالح معها. الموت في سينمايَ لم يكن يوماً تابو، بل أقبل به كجزء من حقيقتنا البشرية. عندما أتكلم عن الموت في أفلامي، أتفادى أن أفعل ما يفعله الآخرون. عندي لن ترى، على سبيل المثل، مشهداً يرنّ فيه تلفون الميت خلال جنازته! بعض السينمائيين يواجه مخاوفه بهذه المَشاهد الفجة. السينما ليست علاجاً لي. في كل حال ليس هذا ما أبحثُ عنه. صحيح أنني تكلمتُ كثيراً عن نفسي في أفلامي، ولكن لم يكن يوماً بهدف الشفاء من عللي.

* يترّجح الفيلم بين الكوميديا والدراما، وهذا جانر إيطالي محض. هل تجد نفسك تنتمي الى هذا التقليد في السينما الايطالية؟

- أنتمي بالأحرى الى تقليدي أنا (ابتسامة فضحك). منذ فيلمي القصير الأول، وجدتُ نفسي في هذا التأرجح المتواصل بين الطرافة والمأساة. هذه طريقتي في السرد والإخراج. ليس شيئاً أحسب له حساباً، بل يأتيني من تلقائه.

* في "مفكرتي العزيزة"، كنت تأسف لعدم اتقانك الرقص. ولجون تورتورو هنا فاصلٌ من الرقص يؤديه في المصنع. لمَ أردت أن تدرج مشهداً كهذا في الفيلم؟

- السبب الحقيقي هو أنني أجهل كيفية الرقص. ليلة أمس، أجبرتُ على الرقص، ولكن في كلّ مرة كنت أحاول، أجدني أفشل فشلاً ذريعاً في القيام بالخطوات اللازمة. ربما لو كنت وودي آلن الذي يصنع فيلماً كلّ عشرة أشهر، لكنت تعلّمتُ الرقص لأنني مجبر على تنظيم حفلة مرة كلّ عشرة أشهر. أما حفلة، مرة كلّ أربع أو خمس سنوات، فلا تكفي لتتعلم الرقص! سألتُ تورتورو اذا كان يحتاج الى مصمم رقص، فقال لي لا، وانظروا الى النتيجة.

* ماذا عن صالة السينما التي تملكها في روما؟ مررتُ بها في أحدى المرات فوجدتها مقفلة...

- لا، هي مفتوحة، إنما أُقفلت لفترة وجيزة ريثما يُعاد تجهيزها رقمياً.

***

ستيفان بريزيه والسينما الملتزمة

"قانون السوق" لستيفان بريزيه (مسابقة)، أو كيف يقف رجل عادي "من الشعب"، وحيداً أمام النظام الاجتماعي الاقتصادي الأوروبي الذي سيحوّله باسم العمل وباسم التمسك بالعمل وباسم العائلة وباسم الكرامة وباسم الحاجة الى دفع الفواتير وباسم كلّ ما يصنع حياته البسيطة، الى ان يتخلى عن أبسط المبادئ، فيصبح واشياً لأشباهه وقاضياً لأخطاء مَن يفترض أن يقف في صفهم، لينتهي موظف أمن أحد المتاجر الكبيرة، ويجد نفسه في خدمة مصلحة الجهة التي لا ترى فيه إلا زبوناً ومستديناً ورقماً يمكن تضخيمه. إنه قانون السوق الذي يحرص على البقاء والاستمرار. ولكن الى أي حدّ يمكن ان يذهب الانسان العادي (من الشعب) في تلك الصفقة التي باع نفسه بموجبها الى الشيطان؟ فيلمٌ ملتزم قضية الفرد، لكن الالتزام لا يعني هنا تجاهل كل ما هو سينمائي، من تقطيع ملهم وسيناريو متماسك والتقاط مشاهد ذات "ناتورالية" فرنسية محض. الأخوان داردين كانا غائبين هذه السنة، لكن جاء مَن لا يقل عنهما انسانية ويفوقهما قدرة على استنهاض النائم عند المُشاهد. اما فنسان لاندون في دور الرجل العادي الذي يشبه أي رجل آخر، فهو حتماً لا يشبه أي ممثل آخر في كيفية طرح صراعه الصامت.

"الفيلم الأسوأ لغاس فان سانت"

فيلم المخرج الأميركي غاس فان سانت البائس جداً، "بحر الأشجار" (مسابقة)، هو الوحيد الذي جُبه بهيصات الاستهجان (هوووووو) الى الآن، وهذه من التقاليد العريقة في كانّ. بعضهم بقي في الصالة حتى اللحظة الأخيرة، فقط لتسجيل موقف سلبي من الفيلم عند صعود الجنريك. رجل أربعيني (ماثيو ماككونغي) يذهب للانتحار في غابة يابانية بعد وفاة زوجته. في الغابة، يتعرف الى رجل آخر (كَن واتانابي) لا يقل عنه تعاسة، فتهون تعاسته نسبياً أمام تعاسة الآخر. ثم طوال ساعتين تقريباً، قفزات زمنية لا تنتهي بين الغابة ومنزله الأنيق وزوجته (ناومي واتس) التي تشكو من عدم اهتمامه الكافي بها، ثم تصاب بمرض، الخ، وصولاً الى ندمه الشديد بعد رحيلها لأنه لم يكن يعرف ما هو لونها المفضل. بكينا من الضحك. المهم: وضع فان سانت حرفته الممتازة في خدمة عواطف متعفنة وخطاب سطحي ومواقف محرجة، فكان إذلالاً رهيباً له، بعد 12 سنة من فوزه بـ"السعفة" عن فيلمه البديع "فيل". نال الفيلم أدنى علامة في تقويم النقاد ولُقّب بـ"الفيلم الأسوأ لغاس فان سانت".

 

hauvick.habechian@annahar.com.lb

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard