جائزة "مان بوكر الدولية" لمجريّ سرق نار الآلهة

22 أيار 2015 | 20:07

ليس إسم لاسلو كراسناهوركاي هيّنا على سمع المُتلقي، تماما مثلما هي حال تجربته الأدبية المتطلّبة. إذا كانت مطالعة نصوصه تستدعي شيئا من الجسارة فلأنها ليس جبانة أو خبيثة أو خادعة. تجيء عناوينه على سجيّتها، متحررة من وزر أن يرفضها الكسالى من القراء أو أن يحيد عنها الباحث عن ترفيه مجاني.

يؤكّد الكاتب لاسلو كراسناهوركاي ان علامة الوقف في الجملة الكتابيّة لا تلائمه وإن بدَت مناسبة لغيره ممن جعل التأليف حرفة ومصدر عيش. يجزم الصوت المجريّ الإستثنائي ان الإختزال أمر مفتعل، لأننا في رأيه لا نستعين في يومياتنا بالجمل الموجزة وإنما نعوّل على الوقفات فحسب، بين حين وآخر. لا نلبث بعدذاك، أن نستعيد السرد كأنها طبيعة ثانية.

ينعكس هذا الخيار المُعلن والواعي عند الكاتب على نصوص لم تخشَ الإطالة وراهنَت على البُنى المركّبة والإنسياب أيضا، للمفارقة. أسلوب جعل المَجريّ تجربة مختلفة في سياق راهن من الركاكة على صعيدي الأسلوب والفحوى. دفع هذا النمط بمساره التأليفي إلى حيث تستبقى الكثافة النوعيّة المرتبطة بالمعيش وإلى حيث تنفلش مشاهد مخيفة وغريبة وفكاهيّة - وإن عَرَضا - أيضا. بعد أعوام من انتشار أوروبي غير مكتمل، مَهّدت هذه العوامل متّحدة ليظفر الكاتب بجائزة "مان بوكر الدولية" 2015 في دورتها السادسة أخيرا.

في أولى رواياته "تانغو الشيطان" إستعان المجريّ كراسناهوركاي بالكاتب التشيكيّ الجميل فرانز كافكا مُستبقيا قوله المنوط بشغف لا يمانع الإنتظار: "أفضّلُ أن أضيّع لقاءها بينما أنا أنتظرُها"، وكأنه من خلال هذا التصميم يحيل على منافع الشغف المتأخّر أو الشغف الآخر الذي لن يقدر له أن يأتي. كأنه يدلّنا إلى الوهم، إلى "جنون السراب النقيّ"، في تعبير لاكان.

تلقينا رواية "تانغو الشيطان" في مكان يُدعى المجر وفي زمن يتموضع صوب نهاية الحقبة الشيوعية وفي وسط حكاية تنطلق من أحد صباحات شهر تشرين الأول. نقرأ عن يوم حيث "وقبل وقت وجيز من بدء هطول أولى قطرات مطر الخريف القاسية على الأرض المشققة غرب المزرعة، أوقَظَ قرع الأجراس فوتاكي". ها هنا ثمة مزرعة وثمة أجراس وثمة عالم على حدة. ها هنا أيضا مثال على ماهيّة كتابة حيث نعثر في جملة واحدة على فيض من الإشارات، وحيث يسمح للرمزي بأن يتداخل مع الواقعي. في وسع كتّاب قليلين أن يلقوا قراءهم في عالم معلّق وكأنه بين قوسين، حيث يتشابك الصمت مع فراغ الأمكنة ومع حدائق خفيّة. يجري كل هذا في وسط صور مؤثرة إلى حدّ بعيد وعلى جمال قلّ نظيره تحت سقف فصول تسخّر هويات على فرادة من قبيل "علِمنا أنهم قادمون" و "هذه قيامتنا" و"عمل العناكب".

صنّف المجري سليل غوغول وميلفيل من حيث التنقيب عن مناخات تشبه النهايات. والحال ان في وسع النهاية أن تعني أمورا شتى، ليس أقلها أن تحيل إلى غياب السلام في مكان ألقي في فوهة العنف. ليس تاليا من باب المصادفات أن يصدر الكاتب رواية رابعة سمّاها "حرب وحرب" وحيث ألحق عنوانه بإعلان ان "الجنّة تعيسة". تفتتح الصفحات على عامل أرشيف بإسم كوريم تحاصره مجموعة من الأطفال المسلّحين في احدى بلدات المجر الصغيرة. في حين يوشك الرجل على الموت، يلوذ بالقصّ محاولاً إبعاد اللحظة المأسوية. في النص، كوريم أسير أزمة روحانية عميقة كأنه في متاهة قادرة أن تصير أمثولة.

فتح الكاتب لاسلو كراسناهوركاي تجربته على أهواء الزمن وأصغى إلى مشاغله وخيباته وحاول من خلال حياكة الكلمات أن يعكس جميع تلاطماته. اليوم يحصد الكاتب اذلي جرت مقاربته كتشخيص لكآبة العالم المعاصر إمتيازا كان سبقه إليه إسماعيل كاداريه وأليس مونرو وفيليب روث وسواهم من أسماء الألق الأدبي.

كراسناهوركاي ورقة رابحة خرجت من مجلّد أدب أوروبا الوسطى. يصرّ الكاتب على الإقتراب قدر المستطاع من النار كأنه بروميثيوس، يرغب في أن يسرق نار الآلهة ليهبها للبشر. إنها نار المعرفة التي لا تأتي بالإجابات حكما وإنما بالكثير من الأسئلة خصوصا.

roula.rached@annahar.com.lb

Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard