سلمى حايك من كانّ: في الثامنة والأربعين لم تعد كلّ الأدوار ممكنة!

19 نوار 2015 | 08:25

المصدر: "النهار"

"أريد أن أشعر أنني في المنزل، يا له من يوم مشمس جميل"، ثم تنزع حذاءها وتُلقي بجسدها الصغير على الكنبة... هكذا بدأ حديثنا مع سلمى حايك على شرفة فندق "هيلتون" المطل على كراوزيت كانّ الأشهر من أن يُعرّف. الممثلة المكسيكية مرشحة لجائزة التمثيل من خلال دور الملكة الذي تضطلع به في "حكاية الحكايات" للمخرج الإيطالي ماتيو غاروني، المشارك في مسابقة الدورة 68 لمهرجان كانّ (13 - 24 الجاري). عملٌ ذو أجواء غرائبية، تمتلئ حايك سعادةً وهي تشرح كيفية تورطها فيه. بعد رحلتها الاستكشافية الى لبنان حيث تحدثت عن كلّ شيء إلا السينما، كانت لنا عودة معها الى هذا الفنّ الذي هو سبب "وجودها".

* ما الذي جذبكِ الى "حكاية الحكايات" لماتيو غاروني؟

- أكثر ما جذبني الى الفيلم هو المخرج نفسه. كنتُ مطلعة على أفلامه السابقة ومتحمسة جداً للعمل معه. أردتُ معه استكشافَ عالم آخر. عقله "المجنون" هو الذي استدرجني الى هذا العالم. تحمستُ جداً لفكرة الاضطلاع بدور ملكة. أُسنِدت إليّ دائماً أدوارٌ باهتة: مدبّرة منزل أو متعرية... أقرب دورٍ الى الملكة كان ذاك الذي اضطلعتُ به في "متوحشون" لأوليفر ستون. كنتُ أشبه بملكة، لكن ملكة كارتيلات المخدرات (ضحك). تستهويني الأدوار التي تستحضر التاريخ وتستلزم العودة الى الملابس القديمة والأجواء الغابرة. أمضي معظم وقتي أتفرجُ على هذه الأفلام. لكن، دعني أكون واقعية: أنا المكسيكية، ما هي نسبة أن أحظى بدور كهذا؟ مع الوقت والتقدم في السنّ، أرضخ لحقيقة أنه لن يتسنى لي ارتداء تلك الملابس وتجسيد شخصيات مماثلة.

* كيف تعرفتِ إلى ماتيو غاروني؟

- كنت أقود سيارتي في لوس أنجليس عندما رنّ الهاتف. لم يظهر رقم المتصل على الشاشة. عادةً، في مثل هذه الحال، أمتنع عن الردّ. لكنّي هذه المرة فعلتُ العكس. سمعتُ صوت رجل يقول: "هل في إمكاني التحدّث الى سلمى؟ أنا ماتيو غاروني". فقلت: "عفواً، مَن؟"، فردّ: "ماتيو غاروني، أنا مخرج إيطالي" (تقلّد لكنته الإيطالية)... فأجبتُ أنني أعرف مَن يكون، الأمر الذي جعله يفاجأ. ماتيو لا يلفّ كثيراً حول الموضوع، يذهب مباشرة الى الهدف، ولا يجمّل الأمور. قال إنّ لديه دوراً لي، وإنني ألوحُ في باله طوال الوقت. بدأتُ أبكي فرحاً عندما قال إنه دور ملكة من القرن السابع عشر. راح يطرح أسئلة، منها إن كان في إمكاني تصوير الفيلم في إيطاليا وباللغة الإيطالية، فأجبتُ نعم، قبل أن يوضح أنه ليس متأكداً بعد ما إذا كان سيصوّر بالإنكليزية أو بالإيطالية. ثم جعلني أطمئن الى أنه لا يهم إذا كانت لي لكنة. تحدثنا عن الفيلم، فأخبرني أنه ينطوي على ثلاث قصص جميعها تجري من وجهة نظر امرأة. ألححتُ عليه لأعرف ما إذا كان المتكلم هو فعلاً ماتيو غاروني. كان يصرخ: "نعم، أنا هو، أنا هو!". طالما انتظرتُ دوراً كهذا، فانظر كيف وصلني: من دون كل الاجراءات المعتادة، إنما باتصال على هاتفي المحمول! أنا في الثامنة والأربعين اليوم، ولم يعد ممكناً إسناد أدوار محامية أو عالمة فيزياء إليَّ. في مثل هذا العمر، لم تعد كل الأدوار ممكنة.

* هذه الملكة مأخوذة أيضاً بالحاجة الى الإنجاب... كونكِ أمّاً، هل أثّرت فيك تيمة الأمومة في الفيلم؟

- أفهمُ شعور السيدة التي تجهل إن كانت ستنجب أم لا، وأفهم مدى الحزن الذي يعتصر قلبها حين تفكّر في احتمال أنّ أولادها سيتركونها يوماً ويرحلون. أعتقدُ أن كل شخصية من شخصيات الفيلم تنطلق من مكان هو موضع ثقة. هذه المرة، أقدّم شخصية مختلفة، نفهمُ من خلالها مدى التعقيد الذي هو عليه ماتيو غاروني. من جانبي، جعلتُ هذه الملكة قريبة الى القلب، علماً أنني عندما شاهدتُ نفسي البارحة للمرة الأولى على الشاشة، لم أكن أعرفُ أنني اضطلع بدور شريرة. يا إلهي، ماتيو لم يقل لي بأنني سأكون شريرة إلى هذا الحدّ (...).

* كيف هي علاقتكِ بحكايات الجنّ؟

- لم أقرأ أياً منها في طفولتي. جدتي الكاتبة المكبوتة كانت تقصّ عليَّ الحكايات قبل النوم كلّ ليلة. كانت حكايات في منتهى الجمال، وبدلاً من أن أغفو، كنتُ أظلّ أحلمُ بالكاراكتيرات بعد خروج جدتي من الغرفة. أعتقدُ أنني لهذا السبب، لا أستطيع حتى الآن أن أغفو بسهولة، وينبغي أن أمضي قسطاً من الوقت أمام التلفزيون كي أستحضر النعاس. بلغت حكايات جدتي في أحيان، حداً لا يطاق من العنف. خُذ حكاية "ليلى والذئب" مثلاً. لماذا علينا أن نروي حكاية كهذه للطفل؟ ربما على الطفل أن يتعلم الرسم بدلاً من الإصغاء الى قصص دموية مرعبة. النحو الذي كنا نتلقف به القصص جعلنا ننسى حقيقة أنها كانت غريبة حقاً. ابنتي التي افتخر بها، تحب "دكتور سوس".

* كيف تعامل معكِ ماتيو غاروني؟ هل أعطاكِ الكثير من التعليمات مثلاً؟ بالأحرى، أيّ نوع من المخرجين هو؟ هل أتاح لكِ مجالاً واسعاً من الحرية؟

- لا، ماتيو لا يعمل هكذا. هذا الفيلم مختلفٌ لأن اللغة الناطقة به هي لغة الأحلام، لجأ فيه الى مَشاهد ترفع من تفاعل الحواس. عندما تعمل مع ماتيو أو تشاهد فيلماً له، لا تعرف الى أين سيحملك. كل يوم عمل معه بمثابة يوم مختلف عن اليوم التالي. طريقته أشبه بطريقة الفنان التشكيلي. لا يملك سوى الريشة والألوان، وهذه هي الخلفية الفنية التي جاء منها الى السينما. كل شيء عنده يبدأ بمخطوطة، ثم يباشر الرسم، فتراه يبدّل ما لا يعجبه، ويركّز فجأة على ما يلفت انتباهه، فيكثّف العمل حول تلك النقطة. كنتُ أصل الى موقع التصوير من غير أن أعرف متى سيبدأ دوران الكاميرا. أحياناً كان يقول: قِفي هنا واستعملي فضاءكِ! ثم في بعض الأحيان، كان يعترض على الإضاءة حين لا تعبّر عن انفعال اللحظة، فكان فريق العمل برمّته يجنّد طاقاته لإيجاد حلّ وفق هذا الاتجاه. فجأةً أيضاً، كنا نراه يصيح: "آه، الآن فهمتُ ما المشكلة، موقع التصوير ليس ملائماً، إنه كبير جداً، أريد مكاناً أكثر دفئاً". عملتُ مع سينمائيين كثر، ولم أرَ قط هذا القدر من الشغف والتفاني عند أحد. لديه منطق "كل شيء أو لا شيء". عندما تأخرنا كثيراً في التصوير وبدأ المنتج بالتململ، راح ماتيو يصرخ في وجهه: "لا أكترث، لا أكترث". كان مجنوناً.

(تصوير هوفيك حبشيان).

* كيف كانت العلاقة مع بقية الممثلين، ولا سيما مع فنسان كاسيل؟

- يا للأسف، لم التقِ كاسيل إلا مساء أمس عند العرض الأول للفيلم. لم أعمل إلا مع جون س. رايلي والتأموين خلال التصوير.

* تقولين إن حياتكِ حكاية جنّ أيضاً. أتساءل إن كان في حياتكِ جوانب غامضة غير مرغوب فيها تتسبّب لكِ بمضايقات؟

- أعتقد أن حياتي عبارة عن حكاية جنّ ممتعة، وجدتُ فيها فارس الأحلام الذي جاء على حصانه ليخطفني. أؤمن أنني سعيدة، أنجبتُ طفلة وأعمل في مجال أحبّه. قد تكون نظرتي الى حكايات الجنّ مختلفة عن نظرة الآخرين إليها. كثرٌ يتهامسون في سرّهم: "آه، إنها ممثلة معروفة، تعيش حياة ميسورة، وترتدي ثياباً من ماركات عالمية". أما أنا فأقول إنّ هذا كله لا يهمّني. بلى، أعيشُ حلماً جميلاً، ولكن ليس بسبب الامتيازات التي أحظى بها، بل لأنني أعيش حياة زوجية سعيدة. ثمة أغنياء كثر في العالم، يكفي أن تنظر حولك لترى. أما نسبة الذين يعيشون حياة زوجية سعيدة، فضئيلة جداً. أجد أنني محظوظة أيضاً إذ أُتيحت لي فرصة التنقّل بين أماكن مختلفة في العالم والتعرّف الى ثقافات متعددة، وهذا في ذاته أضاف الى ثقافتي الكثير. أشعرُ أنني محظوظة أيضاً عندما أزور مخيمات اللاجئين في لبنان أو أذهب الى كالكوتا أو سييراليون، وأساهم في لفت النظر الى بؤر البؤس حول العالم. أن يكون المرء محظوظاً لا يعني بالنسبة إليّ أن يكون محوطاً بأناس مختارين داخل مجتمع مغلق. أتطلع الى النجاح من منظار آخر، وأعتقد أنّ هذا ما جعلني أنجح. ذلك أنني فهمتُ النجاح وفق فلسفة مغايرة.

* ألَم تعطكِ السينما الرغبة في صناعة الأفلام والانتقال من الوقوف قبالة الكاميرا الى خلفها؟

- بدأ كلّ شيء من حبي روايةَ الحكايات والنطق أكثر بما يستهويني. أما الانتقال الى خلف الكاميرا فمشروعٌ مؤجل حالياً. أنتظرُ أن تكبر ابنتي لأتفرّغ للإخراج. أتممتُ فيلماً واحداً للتلفزيون. عشت حال "نيرفانا" بينما كنت أفعل. لم أعش حالاً كهذه من قبل. خلال عملي منتجةً لمحطة "شوتايم"، قال لي أحد المنتجين إنني لستُ بارعة كمنتجة. شعرتُ بأنه سيطردني. ثم قال إنني لستُ حتى ممثلة. هنا أحسستُ بالإهانة. فجأةً قال إنه يراني أكثر كمخرجة. صحتُ في وجهه، ولم أصدّق. أضاف أن عقلي يعمل مثل عقل مخرج. كنتُ في مرحلة ما بعد "فريدا"، وكنت بدأتُ أعود الى الأدوار السيئة التي أُسنِدت إليّ ما قبل "فريدا". هذا جعلني كئيبة، فأردتُ أن أثبت أنني قادرة على شيء آخر غير التمثيل. كنتُ اعترفتُ للجهة الممولة أنني لا أجيد الإخراج البتة. كثرة احتكاكي بسينمائيين جعلتني أعتقدُ أنّ الإخراج مهمةٌ شاقة. كانت دهشتي لا توصف عندما اكتشفتُ أنه غاية في السهولة. بعض المخرجين يشتكون صعوبة الإخراج ويشعرون بالنشوة حينما يردّد الناس أمامهم: "آه، انظر كم هذا معقد" (ضحك). في الحقيقة، ثمة عددٌ غير كافٍ من المخرجات في العالم، والأمر يحطّم قلبي. فأنا أؤمن فعلاً بأن الإخراج عملية خاصة بالنساء. أما الرجال فأراهم منتجين: هم براغماتيون ويعرفون كيف يحصلون على مبتغاهم، في حين أنّ إسناد الإخراج إلى المرأة مهمّة منطقية لأنها تجيد نسج العلاقات. الإخراج شأنه شأن الأمومة والحَمل. الفيلم يكبر في إحشائك، كلّ شيء يبدأ بنواة، وطبيعتنا نحن النساء أن نهب الحياة لشيء كان في لحظة ما عدماً.

* تم اختزال دوركِ هنا بأنكِ تأكلين قلب حيوان في فيلم إيطالي جديد...

- لا أفهم ما هذا الهوس بالتهام قلب الحيوان. إنهم يختزلون الفيلم كله وليس دوري فحسب، وهذا ليس أقوى المَشاهد على كل حال. ثمة تفاصيل أكثر غرابة ولا أفهم لماذا التركيز على هذا المشهد. شعرتُ بالقرف وأنا ألتهمُ القلب، وحتى الآن لا أعرف من أي مادة تم صنعه. رفض فريق العمل مصارحتي بالحقيقة على رغم إصراري. في كل مرة، كانوا يقولون: "وضعنا فيه أشياء متعددة، كلها يؤكل"، سئلتُ فقط إن كنتُ مصابة بالحساسية تجاه أطعمة معينة. في المرة الأخيرة، رفضتُ أكْلَ المزيد بعدما رحتُ أشعر بالاختناق. خضتُ في الماضي مجازفات كثيرة في السينما، ولم أكن ألجأ الى بديل. أندم أنني قمتُ بالبعض منها. في أحد المَشاهد الخطرة مِن "ذات مرة في المكسيك"، رُميت من الطبقة الخامسة. كنتُ شبه عارية ولم يضعوا شيئاً على جسدي لحمايتي. لم أكن معلّقة بسوى حبل من طرف واحد، ورحتُ أشعر بأوجاع في جسمي الذي تضرر لمدى الحياة. بادرتُ الى هذا الفعل عندما رأيتُ أنّ كلّ الرجال يقومون بحركاتهم بأنفسهم، فلم يكن ممكناً أن أجلس وأتفرّج عليهم. الحق كلّه على أنطونيو بانديراس!

* هل أنتِ مستعدّة لتكرار مغامرة فيلم كـ"حكاية الحكايات"؟

- نعم، ولكن هل المخرجون مستعدون لخوض المغامرة معي؟

 

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard