هل بلغ التوسع الايراني مداه؟

14 نوار 2015 | 21:13

المصدر: "النهار"

من استعراض للحرس الثوري الايراني. (رويترز)

"لهذا سيكون التوسع الايراني قصير الامد"، عنوان تحليل للباحث في شؤون الشرق الاوسط وجنوب آسيا في معهد "ستراتفور" كاميران بخاري يبرز فيه أهمية تكتل الدول الشيعية في الشرق الاوسط معتبراً أنه تطور بارز على الصعيد الجيوسياسي. ولكن الباحث الذي يستعرض التاريخ "السياسي" للشيعة، يحذر من أن تزعم ايران لهذا التكتل قد يقصر عمره.ففي رأيه أن هذا التكتل لم ير النور ويتوسع الا بسبب ضعف الدول السنية العربية وانقساماتها، معتبرا أن ثمة عوامل عدة، بما فيها الحرب السورية والقيود الدينية ستعوق ايران من مد النفوذ الشيعي أكثر.

وفقا لدراسة "مركز بيو للابحاث" الصاردة عام 2011، تتمتع أربع دول فقط بغالبية شيعية، وهي ايران وأذربيجان والبحرين والعراق، وإن تكن دول أخرى تعد أقليات شيعية كبيرة، على غرار اليمن والكويت والسعودية وأفغانستان وباكستان وتركيا والامارات وقطر وعمان. وفي الدراسة نفسها، يشكل الشيعة كبرى المجموعات المذهبية في لبنان، كما يمثلون نحو 20 في المئة من مسلمي الهند البالغ عددهم نحو 180 مليوناً.
منذ الثورة الايرانية وتأسيس الجمهورية الشيعية عام 1979، صارت ايران الدولة الشيعية الاكبر والاكثر قوة عسكرياً، الامر الذي مكنها من دعم الشيعة في دول أخرى وبالتالي مد نفوذها الى العالم العربي.
كاميران بخاري لفت الى أن توسيع النفوذ الايراني لم يكن دائما سهلاً. فقد حاولت طهران مثلاً التأثير على الاذريين على أراضيها لاستغلال الغالبية الاذرية في أذربيجان. ولكن باكو التي كانت حتى 1991 جزءا من الاتحاد السوفياتي تمكنت، كدولة علمانية، من الصمود في وجه المد الشيعي.
تمدد النفوذ الايراني لم يتعثر في آسيا الوسطى فحسب، وإنما واجه عقبات ايضاً في أماكن أخرى مثل جنوب آسيا. فبحسب بخاري، شكلت الدول القوية على غرار باكستان والهند، ناهيك عن الحرب في أفغانستان، سداً أمام توسع ايران شرقاً.

 

العالم العربي

ومع صعوبة التوسع الايراني في اتجاه الشرق والشمال الغربي الى حد كبير، بدا الأفق الوحيد المفتوح أمام طهران هو في اتجاه الغرب صوب العالم العربي. وقد نجحت في ارساء موطئ القدم الاول لها في العراق نتيجة العداء الكبير بين نظامي صدام حسين وحافظ الاسد. وهذا فيما صارت سوريا حليفاً مبكراً لطهران كونها تتمتع بنظام علوي يحكم غالبية سنية. أضف الى أن النظام السوري ساعد ايران على تطوير "حزب الله" الى قوة سياسية وعسكرية رئيسية.
ويورد بخاري حدثين أساسيين آخرين ساهما في توسع النفوذ الايراني في المنطقة، وهما انتهاء الحرب العراقية-الايرانية عام 1989 بالتزامن مع انتهاء الحرب اللبنانية. ففيما صار "حزب الله" بعد الحرب الكيان السياسي الاكبر في لبنان، استفادت طهران أيضاً من حرب الخليج الاولى التي اندلعت اثر اجتياح العراق للكويت، كونها أضعفت حكومة بغداد. ومع اطاحة واشنطن نظام صدام حسين عام 2003، كان العراق قد سقط تحت النفوذ الايراني. وبذلك، تمدد هلال النفوذ الايراني من طهران الى المتوسط.


وجدت ايران في انتفاضات "الربيع العربي" فرصة للتوسع أكثر. وما حصل في البحرين في رأي بخاري لم يكن الا احد أوجه تطلعاتها الى الهيمنة. ففي اطار طموحها للتمدد في الجزيرة العربية، معقل خصمها اللدود، حاولت خصوصاً استخدام الانتفاضة في البحرين لمصلحتها، قبل أن تقمع السعودية التحركات الشعبية، مقوضة من خلفها طموحات ايران في كسب نفوذ في المملكة الصغيرة.
وفي سوريا، شكلت الثورة تهديدا آخر لايران، ذلك أن سقوط نظام الاسد كان سيعزل طهران عن حليفها "حزب الله" ويعرض شيعة العراق لخطر نظام سني في دمشق، لذلك لم يكن مفاجئا الدعم المستميت الذي قدمته له.

وضع أفضل ولكن

حالياً، يرى بخاري طهران وحلفاءها الشيعة في وضع أفضل من السعودية والسنة. فـ"حزب الله" والميليشيات الاخرى نجحوا في ابقاء الاسد في السلطة، والحرب على تنظيم "الدولة الاسلامية" أفسحت لايران الوقت لاعادة رص صفوفها، وكذلك فعلت المفاوضات النووية مع الغرب. أضف الى أن السعوديين منشغلون في التمرد الحوثي في اليمن.
ومع ذلك، يقول الباحث إن مزايا ايران لن تدوم. فأكثر مكاسب الشيعة سببها ضعف السنة وتفككهم، وبعض التطورات الاخيرة توحي بأن السنة يستيعدون المبادرة. فالثوار أحرزوا أخيرا انتصارات في سوريا، وتحديدا في ادلب، فيما دخلت السعودية وتركيا في تحالف لاطاحة الاسد. وفي رأيه أن العامل الاكثر أهمية يكمن في أن السنة هم الغالبية، وأن ثمة دلائل كثيرة تفترض أن السنة لن يذعنوا لحكم الشعية. ففي لبنان لم يستطع "حزب الله" السيطرة على الحكومة على رغم حجم الحزب ونفوذه. وفي اليمن، قد تبرز الحركة الزيدية نسخة يمنية عن "حزب الله"، الا أنها لن تستطيع فرض ارادتها أبعد من المنطقة التي تسكنها الغالبية الزيدية. وفي العراق، لا تزال"الدولة الاسلامية" جماعة سنية نافذة حتى في مناطق تسكنها غالبية شيعية، على رغم وحشيتها.
والى الاعتبارات الدينية التي تمنع سنة المنطقة من السماح لايران بمد نفوذها الى مناطق تعتبر خطوطاً حمراً بالنسبة اليهم، هناك ايضاً اعتبارات اتنية تمنع تمدد النفوذ الايراني أكثر. ويشرح بخاري أن تحالف الشيعة العرب مع طهران الفارسية حصل بدافع الضرورة، وهو ما يقيّد قدرة ايران على الاعتماد عليهم لخدمة أهدافها.
ولا يلغي بخاري من حساباته الاختلافات التي لا تزال موجودة بين الشيعة، وتحديداً بين مرجعيتي النجف التي يسيطر عليها العرب وقم التي تحاول طهران زيادة نفوذها عليها. وفيما تأمل طهران في الافادة من الفراغ في العراق لنشر عقيدة ولاية الفقيه، يلفت الى التحولات الداخلية في ايران، وتزايد التوتر بين الليبراليين والمحافظين وبين الديموقراطيين والمتشددين، الأمر الذي قد يضطرها الى الالتفات الى مشاكلها الداخلية وترك تطلعاتها الدولية جانباً.
ويخلص الى أنه بقدر ما تأمل طهران في استغلال الضعف السني، يمكن التغيّرات في طهران كما الاختلافات الداخلية بين الشيعة والتطورات في سوريا تقويض تطلعاتها الاقليمية.

Monalisa.freiha@annahar.com.lb
Twitter:@monalisaf

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard