رغم القوانين الجديدة... العمالة السورية في لبنان لا تزال "غير شرعية"

1 أيار 2015 | 13:34

المصدر: "النهار"

انه الأول من أيار، هو يوم تحية اكبار واجلال لكل عامل على الكرة الأرضية، يومتقدير لعرق جبينه. يحتفل العمال في العالم كما في لبنان اليوم بعيدهم، فيظل كل الصعوبات التي يواجهونها. لبنانيون، سوريون، فلسطينيون، أثيوبيون، نباليون،... يوم خصص لهم، تقديراً لما يقدمونه من تضحيات بهدف تأمين لقمة عيش كريمة لعائلاتهم ان في لبنان أو العالم.
ان جلسوا وراء المكاتب، حملوا المعول، نظفوا المنازل، صقلوا بأيديهم الحجارة،... فهم جميعاً يتكبدون كل المشقة من دون كلل ليحصلوا على خبزهم كفاف يومهم.
في يوم العامل، تطرح أسئلة كثيرة في شأن العمالة الأجنبية في لبنان، وخصوصاً السورية، فلبنان لم ينقطع يوما عن الاستعانة باليد العاملة الاجنبية، غير ان الأزمة السورية فرضت على اللبنانيين واقعاً جديداً مع دخول أكثر من مليون ونصف مليون لاجئ الى لبنان. طبعاً في بادئ الأمر فرضت الفوضى نفسها، ولكن مع تأزم الوضع، سيما ان السوريين، لاجئون كانوا ام عمالاً، بدأوا ينتشرون في سوق العمل اللبناني، كونهم يعملون مقابل راتب زهيد مقارنة براتب الأجير اللبناني، ومن دون ان يخضعوا لشروط قانون العمل اللبناني.

تلك الأعداد الكبيرة التي دخلت لبنان، أجبرت السلطات اللبنانية على اتخاذبعض الاجراءات في حقهم، لتنظيم وجودهم داخل الأراضي اللبنانية. فقد أعلن الأمن العام اللبناني فرض اجراءات جديدة على الحالات الآتية من سوريا، فقد قسمت هذه الاجراءات الوافدين الى فئات عدة: السياحة، زيارة عمل، التسوق، مالك عقار، مستأجر العقار، والدراسة، الدخول او المغادرة عبر المطار او أحد الموانئ البحرية او الحدود البرية، العلاج الطبي، مراجعة سفارة اجنبية، والدخول بموجب تعهد مسبق بالمسؤولية.

تفرض الاجراءات الجديدة على المصنف ضمن فئة "القادمين بموجب تعهد مسبقبا لمسؤولية" شروطاً يجب تطبيقها، فبموجبه لا يُسمح بدخول السوري الذي لا يمكن تصنيف سبب زيارته ضمن الفئات الواردة إلا في حال وجود مواطن لبناني يضمن ويكفل دخوله وإقامته وسكنه ونشاطه، وكل سوري قادم للدخول بموجب "تعّهد بالمسؤولية" يمنح سمة دخول لمدة 8 أيام وتُجدّد مرتين لمدة ستة أشهر. وضعت هذه الاجراءات، بهدف تنظيم الوجود السوري في لبنان من الناحية الأمنية، وفصل "العامل" عن "غير العامل" بهدف ترتيب السوق العمل اللبناني. ولحصر المهن التي يحق للسوريين العمل بها في لبنان، أصدرت وزارة العمل قراراً في العام 2014، بالمهن المحصورة باللبنانيين، ليقتصر عمل السوريين فقط في قطاعات الزراعة والنظافة والبناء.

منذ بدء الكلام عن تطبيق هذه القرارات، شكك كثيرون من امكانية تطبيقها، فما هو الحال على الأرض؟ جالت "النهار" في بعض المناطق اللبنانية والتقت بعض العمال السوريين.
دلسوس، شاب سوري دخل لبنان قبل بدء الاجراءات الجديدة، يعمل اليوم في فرن في احدى المناطق المتنية، رغم ان قرار وزارة العمل يحدد للسوريين 3 مجالات للعمل فيها، يعمل دلسوس في مجال الطهي، "ما بعرف اشتغل الا بفرن"، قال والابتسامة المرتبكة ترسم على وجهه، فهو منذ سنوات يعمل في هذا المجال. يشير الى انه حتى اللحظة لم ينجز المعاملات المطلوبة من الأمن العام التي فرضت على جميع السوريين مع بدء العام2015، "بعد أيام أصدر هذه الورقة، فرب عملي لم يجد أي مشكلة في هذا الموضوع"، غير أنه يؤكد أن لا مشكلة بدفع جميع المستحقات "انما قصة الكفيل، صعبة... لو ما صاحب الشغل كفلني انا كنت اضطررت العودة الى سوريا".
كثيرون ممن لم يجدوا "كفيلاً"، عادوا الى وطن مزقته الحرب وشلّعه الموت والدمار، فمحمد، كان عاملاً في احدى محطات البنزين في منطقة زحلة، أجبر على البقاء في سوريا لأنه خرج قبل تطبيق القرار وقرر العودة مع بدء السنة، غير أنه تفاجأ بالاجراءات فأرغم على البقاء داخل الأراضي السورية، لأنه لم يستطع تسوية وضعه للدخول.

كثيرون من أرباب العمل والأجراء السوريين الذين لا يمكن احصاء أعدادهم، اذ لا احصاءات رسمية توثق أعدادهم، يظنون أن "تسوية وضع العامل السوري" تقتصر فقط على ورقة التعهد بالمسؤولية". يؤكد المستشار القانوني المعتمد لدى منظمة العمل الدولية والدكتور في قانون العمل المحامي شربل عون أن لا احصاءات في ما يتعلق بالعمالة السورية في لبنان، ولكن الأكيد انه من الممكن معرفة عدد السوريين الذين نالوا اجازة عمل في لبنان، لافتاً الى أن اجازات العمل المعطاة من الوزارة للسوريين لا يتعدى عددها الألف في حين أن هناك أكثر من نصف مليون سوري يعملون في لبنان.

يشرح عون أن هناك فرقاً شاسعاً ما بين الاجراء المتخذ من قبل الأمن العام عند الحدود ورقة "التعهد بالمسؤولية" واجازة العمل، فالأولى لا تخول السوري بموجب القانون اللبناني من العمل، في حين ان الثانية تشرع عمله داخل الاراضي اللبنانية. ويلفت في حديث مع "النهار" الى ان ورقة التعهد بالمسؤولية، لا تعفي رب العمل من انجاز اجازة العمل للأجير السوري.
برأي عون، لا تنسيق كافيا بين الأمن العام ووزارة العمل من الناحية العملية، شارحاً أن الأمن العام فرض هذه الشروط مشدداً على الناحية الامنية و"لكن هذا الموضوع لا يعفي رب العمل من عدم اجراء اجازة العمل للاجير السوري".
يذكر عون ان وزارة العمل تحرر محاضر ضبط وغرامات بحق المؤسسات التي توظف سوريين غير حاصلين على اجازة العمل، الا ان وزارة العمل لا تملك القدرات، ولا طاقم التفتيش الكافي لنشره في المناطق اللبنانية، ومراقبة سير تطبيق قانون لا يلتزم فيه اللبنانيون والسوريون على حد سواء حتى قبل بدء النزوح السوري.

"الناس ضايعة"

التبست الأمور على اللبنانيين والسوريين، فالفوضى الموجودة حتى قبل بدء تدفق اللاجئين السوريين، خلطت الأمور. اذ منذ بدء استقطاب العمالة السورية الى لبنان حتى اليوم، كثيرون من اللبنانيين وحتى السوريين لا يعرفون أن القانون يجبرهم على انجاز اجازة العمل للسوريين. وأضاف "السؤال يبقى هل الأمن العام سيشدد اجراءاته والاستفسار عن وجود اجازة عمل للعامل السوري؟ هل ستتم ملاحقة الموضوع أو ان فكرة ورقة التعهد بالمسؤولية هي فقط اجراءات شكلية محصورة فقط لتنظيم الوجود السوري من الناحية الأمنية؟".

"بدنا معلمية... برواتب زهيدة"

في ظل الوضع الأمني والاقتصادي المتردي، يميل أرباب العمل اللبنانيون الى توظيف أُجراء "معلمية" يعملون براتب زهيد ، وهذه المواصفات متوافرة في سوريين هربوا من الموت في سوريا.
وسيم، يعمل في مجال التجميل، ومنذ نحو السنتين قرر توظيف عدد من السوريين لمساعدته براتب لا يتعدى الـ300 دولار. وسيم نموذج من النماذج الكثيرة في لبنان الذين فضلوا السوري على اللبناني بسبب كفاءته في العمل وأجرته الزهيدة، هذا ما دفع الكثير منهم الى توظيف حتى اللاجئين السورين الذين استحصلوا بطاقة من المفوضية العليا للاجئين UNHCR التي تخصص لهم مبالغ مالية ومساعدات، اذ لا يحق للاجئ الذي يفيد من تقديمات المفوضية أن يعمل في لبنان الذي يستضيفه كلاجئ. يقول عون انه "في حال تم ضبط أي لاجئ يعمل داخل الأراضي اللبنانية، يحق للسلطات اللبنانية اخراجه من البلد"، كما أنه يصار الى شطبه من لائحة النازحين.

بينت دراسة أجرتها منظمة العمل الدولية بعنوان "تقييم أثر اللاجئين السوريين فيلبنان وظروف تشغيلهم"، نشرت في نيسان 2014، بأن قرابة ثلث اللاجئين السوريين في سوق العمل اللبنانية عاطلون عن العمل. وأشار التقرير الى أن معظم اللاجئين العاملين يعانون من تدني الأجور ومن ظروف عمل قاسية، فضلاً عن افتقارهم إلى المهارات والتحصيل العلمي. اذ ان 88% من اللاجئين السوريين يعملون في مهن متدنية أو متوسطة المهارة.
ووجدت الدراسة بأن العمال السوريين في لبنان يحصلون على أجور أدنى بكثيرمن نظرائهم اللبنانيين. وبحسب الدراسة:

• 418.000 ليرة لبنانية (277 دولار): متوسط الدخل الشهري للاجئ السوري العامل
في حين أن الحد الأدنى للأجور في لبنان يصل إلى 675.000 ليرةلبنانية (448 دولار)
• 432.000 ليرة لبنانية (287 دولار): متوسط الدخل الشهريللعامل اللاجئ السوري من الذكور
• 248.000 ليرة لبناني (165 دولار): متوسط الدخل الشهريللعاملة اللاجئة السورية
• 92 % من اللاجئين السوريين في لبنان يعملون دون عقد عملنظامي
• 56% من اللاجئين السوريين العاملين في لبنان يعملون فيأعمال موسمية، أو أسبوعية، أو يومية
• 74 يوما: متوسط الزمن الذي يستغرقه اللاجئ السوري للعثورعلى عمل

وكشفت الدراسة بأن تدني الأجور، وارتفاع معدل البطالة، وعدم تنظيم سوقالعمل تطرح تحديات خطيرة على معيشة السكان واللاجئين في المجتمعات المحلية اللبنانية المضيفة.

من جهته، اعتبر رئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن في حديث مع "النهار"أن ايجاد الحلول للحد من عمل اللاجئين السوريين يقع على عاتق السلطات اللبنانية من جهة والمنظمات الدولية من جهة أخرى"، اذ رأى أنه من واجب هذه الجهات تقديم أبسط مستلزمات اللجوء والعيش الكريم في بلد يستضيفهم بعد أن هربوا من القتل في بلادهم.

يؤكد المدير التنفيذي في مؤسسة البحوث والاستشارات كمال حمدان في حديث لـ"النهار" أن العمل جار على الدراسات والاحصاءات المتعلقة في شأن الوجود السوري في لبنان، لافتاً الى أن عدد الوافدين السوريين الى لبنان ثبت على عدد وبات النمو طفيفا بمعدلات متناقصة "، فقد وصل عدد الللاجئين السوريين في لبنان الى 1196560 لاجئاً، بحسب مفوضية اللاجئين. وبرأيه، يعود سبب ثبات ارقام الوافدين الىمعطيات كثيرة ابرزها الاجراءات الجددة التي اتخذتها السلطات اللبنانية رغم أنه في معظم الأحيان لا تطبق فهناك الكثير من التجاوزات لأسباب انسانية، صحية،... و برأيه أن هذه الاجراءات حدت بعض الشيء من الأعداد الكبيرة التي كانت تتدفق ، لكنها لم تلغ هذه الحاجة الموضوعية لدى السوريين للهرب من الموت، مقدرا عدد السوريين الذين يعملون في لبنان ما بين ثلث الموجودين الى نصفهم. وأكد حمدان ان 95 في المئة من عمل السوريين في لبنان غير شرعي.
لاجئون، عاملون،.. تعددت الأوصاف والحقيقة واحدة، الجميع يحتاج أن يؤمن لعائلته لقمة العيش في ظل الوضع الاقتصادي المتردي في لبنان،... فمهما كان اللقب كل عيد عمال وانتم ولبنان وسوريا بألف خير!

بالأرقام: هل دخل لبنان مرحلة الخطر صحياً واقتصادياً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard