إليسا تكسر صورتَها النمطية في "موطني"... فهل تكسب الرهان؟

30 نيسان 2015 | 20:25

المصدر: "النهار"

إليسا الفنانة ذات الإحساس الرهيف والأداء الأنيق التي غالباً ما لامست حنايا أفئدتنا وذُبنا بحلاوة صوتها عبر أغنياتها الرومنسية التي تحاكي العشق والوجد فاجأتنا هذه المرّة بإطلاقها أغنية وطنية بعنوان "موطني" وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني إبرهيم طوقان ولحّنها الموسيقار اللبناني إبرهيم فليفل عام 1934. واتخذ الفلسطينيون الأغنية لفترة طويلة نشيداً لهم وذاع صيتها في الأقطار العربية، وقد أثار صدور الأغنية بصوت إليسا وبتوزيع جديد (ناصر الأسعد) بلبلة وصدمة كونها نشيداً عروبياً، وكون الجمهور اعتادها (إليسا) في صورة معيّنة أو نمطاً معيّناً.


يبدو أن الوطنية والقومية والعروبة ما زالت مرتبطة بحفنة من الأشخاص، لهم الحقوق الحصرية فيها، يوزعونها على من يشاؤون. فهم أهل البيت والأحق بالخلافة، فلا صوت يعلو صوتهم، ولا حقيقة إلا تلك التي ينادون بها. من هنا أصدروا حكمهم بأغنية "موطني" التي أدتها إليسا، وهي من مناصري حزب "القوات اللبنانية"، فكيف لها أن تدّعي العروبة، وتبلغ هذا المبلغَ من الكفر وتتجاوز الخطوط الحمر؟ يا ليت كان معيار الحكم على العمل علمياً وأكاديمياً وموسيقياً بدل كبّ التّهم جزافاً وتفريغ عصبيات وأحقاد راسخة في النفوس هدفها التشويه والتعمية وذلك لغاية في نفوس أصحابها.


مقاربتنا العمل الفني، وهنا أغنية "موطني"، هو خارج كل الإسقاطات والسياقات، كأنه عمل بِكْر. لن ندخل في الإعجاز والبيان والبلاغة. سنكون بسيطين كبساطة الأطفال، ونسأل: هل استطاعت إليسا بأدائها الاغنية دخولَ قلوبنا من دون استئذان، وتحريك مشاعرنا وعواطفنا؟ الجواب: نعم. فيديو كليب الأغنية في مكانه، فكان أميناً في إيصال مضمون الكلمات فلم نجد غلواً أو مبالغة، بل تكاملاً. استأثر العمل  بحواسنا، فارتحلنا مع اللقطات المصوّرة وإحساس إليسا الدافئ إلى بقع لبنان الفاتنة وأرزه الشامخ فإلى مآسي الحروب التي مررنا بها، وانتفاض الشباب العربي وثورته على الظلم والاستبداد ونضال الشعب الفلسطيني ضدّ الاحتلال، والمأساة الحاصلة في بلدان عربية من حروب وقتل ودمار وهدم حضارات وتشويه ثقافات وتشريد أقليات، لنصل إلى الجوانب المشعة والمضيئة من عيش مشترك بين الطوائف، والازدهار العمراني والحضاري وانتصار الأمل وثقافة الحياة على الموت.


إليسا في "موطني" كسرت الصورة النمطية التي كانت راسخة في أذهاننا، فكان الحبيبُ هذه المرّة الوطن، فأحببناه معها واشتهينا وِصاله. قد يكون أداء إليسا الصوتي للقصيدة الفصحى، وهو تجربتها الأولى، ليس الأفضل لناحية مخارج الحروف والنبرة الوطنية في تحفيز الهِمم ولكن استطاعت تعويض ذلك عبر دَفْق من الأحاسيس المركّزة المكثّفة. ولا شكّ في أننا ندعوها إلى اختيار كلمات أغنيات ذات وزن شعري مماثل لهذه الأغنية وإعادة كرّة القصيدة المغنّاة. يُحسب لإليسا جُرأتها ومغامرتها وتجدّدها ورهانها الدائم على طرق أبواب جديدة، وغالباً ما تكسب الرّهان. ويُحسب لها أيضاً، وعلى رغم ما طال العمل من انتقادات، أنها عرّفت كثيرين وتحديداً النشء الجديد على الأغنية وأعادت إحياءها.
تخطو إليسا خطواتها واثقةً، ملكةً، لا تُهادن ولا تساوم. وهي عندما تقف أمام مرآتها تُحدّج النظر إلى داخلها، إلى الروح، حيث الرؤية صافية لا تشوبها شائبة. وكما تقول أغنية My Way لفرانك سيناترا: إذا الشخص لم يَصدُق مع ذاته، مع مبادئه، وكبحَ مشاعره وعاش في ظلّ الآخرين، فماذا يتبقّى له؟

 

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard