بشّار زرقان: في سوريا عاش يوميّات الدماء وعلى الخشبة رقص طيف "الطقوس"!

23 نيسان 2015 | 11:41

المصدر: هنادي الديري

  • المصدر: هنادي الديري

طفولته في حيّ الشيخة مريم الدمشقي أنبأت بما سيحصل لاحقاً في ما يتعلّق بالصوفيّة "ُالمطعّمة" بلمسات حديثة تُرافقه منذ سنوات في أعماله الموسيقيّة... وما زال الفنان السوري بشّار زرقان تماماً كما في البدايات، يجد مُتعة حقيقيّة في السير "إلى جانب" الطريق السائد ، مُتحكّماً بالكلمة، كاظماً تلك النزعة إلى تزويد الأداء على الخشبة "ثوبه المُمسرح"، فإذا بطيفه "يظهر على غفلة" من خلال حركة لا إراديّة من اليدين، أو نظرة من العينين تشي بكثير من الانفعالات الداخليّة.

ففي هذا الحيّ الشعبيّ الذي كان الشاهد على يوميّاته و"شيطناته"، كانت تُقام الكثير من الطقوس الدينيّة التي لم تفتن "بشّار الصغير" فحسب، بل أرعبته أيضاً حتى سيطرت على بعض مساحة من ذكرياته.

وعندما اكتشف لاحقاً، وخلال فترة يصفها بالـ"مُتقدمة" انه يملك "شيئا ما مُرتبط بالصوت"، طغت تلك الذكريات وتلك الطقوس على إطلالته الفنيّة التي جذبت عشرات إليها خلال الحفل الذي قدّمه وفرقته الموسيقيّة القادمة من سوريا، خلال عطلة الأسبوع في مسرح بابل-الحمراء.
أطلق على الحفلة عنوان "حلاج الأمل"، وروّج زرقان من خلالها بطريقة أو أخرى لألبومه "لا أحد" الذي كان من المُفترض أن يوقّعه زرقان منذ 4 سنوات، لولا "تدخّل الظروف". كما كانت أعماله السابقة من ألبومه "حالي أنت" حاضرة بكل جمالها الذي "تعرّف إليه" الحضور منذ الأنغام الموسيقيّة الاولى فصفّق مطولاً لما تضمّنته من عشق أعاد القلب كتابته مراراً.

وبدعوة من "نادي لكل الناس" عاد بشّار زرقان إلى الساحة الفنيّة بعد غياب 4 أعوام أمضاها في دمشق، "فلمّا بلّشت الحياة الجديدة في سوريا، عدت إلى دمشق في وقت كان الناس يغادرونها. عدتُ لأرى بنفسي ماذا يحصل. واليوم أغادر دمشق للمرة الأولى لأقدّم هذه الحفلة".
كان لا بدّ له على قوله من أن يشحن طاقته الداخليّة، "وها أنا الآن أشعر بأنه لا بدّ لي من أن أعود. وأنا أفيد حالياً من هذه الطاقة".
عاد بشّار زرقان "الدخيل الساحر" الى الساحة الموسيقيّة السائدة مع ألبوم "لا أحد"، ومع ذلك كانت الحفلة "مشحونة" بأعمال قديمة عاش عدد كبير من الحاضرين على "صدى ذكرياتها" لحظات طويلة ومُشوّقة في آن.

يقول لـ"النهار": "عندما أعمل على نصّ أو آخر أجمّده داخل إطار لغة موسيقيّة خاصّة"، ومن هنا أهميّة إعطاء الّلغة القيمة التي تستحقّها، "ويمكن أن يُلحّن 4 أشخاص لحناً واحداً فيزوّده كل منهم لمسته".

بشّار زرقان يعشق الكلمة ويملك هذا التمكّن "المُربك" بمُفردات اللغة ومن هنا قدرته على تزويدها أنغاماً غير تقليديّة "تتراقص" في فضاء الصوفيّة ومع ذلك تطلّ في حلّتها الأخيرة خاصّة بهذا الفنان القريب من القلب على الخشبة والذي يعطي لكل موسيقي أو مُغنيّة تُرافقه في الكورس التقدير و الإحترام.

الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاج "يسكن" روحه، والسبب بسيط، "أستسيغ لغة السؤال والتمرّد في قصائده". وعنصر الرفض هذا الذي يتربّص خلف الكلمات "الشاهقة"، "أقرب ما يُمكن إلى طفولتي والطقوس التي كانت ترعبني وتجذبني في آن".

هيا بنا نعود إلى حيّ الشيخة مريم، إلى أيام كان فيها بشّار زرقان يُراقب الطقوس الدينيّة التي كانت رائجة في الحيّ آنذاك. كان بعض البسطاء الذين كان يُطلق عليهم إسم "المجذوبون" يُقيمون الطقوس الفاتنة حتى الرعب، "وكنت والاصدقاء نعمد إلى إزعاجهم قبل أن نُدرك أنهم في الواقع من يقوم بتلك الطقوس. تعاملنا معهم في الحارة على أنهم بُسطاء".

وذات يوم، اكتشف بشّار أن هؤلاء البُسطاء هم في الواقع الذين "يقودون" الطقوس، فتضاعف رعبه لاسيما وأنهم أطلّوا بكامل البهاء والفتنة. فإذا بالصغير يتنبّه إلى أنهم في الواقع لم يكونوا بُسطاء كما أرادت له مُخيلته الفتيّة أن يكونوا.

وبعد اكتشافه انه يملك الموهبة في حنجرته، تتلمذ على يد موسيقي كبير هو عدنان أبو الشامات على رغم إعتراض الأهل إيماناً منهم من أن لا قيمة حقيقيّة للموسيقى، فراح بشّار يتعلّم سرّاً ويستمع إلى الموسيقى ويحفظ الأغاني. ذكرياته في صفّ الموسيقى؟ "كنّا شياطين!".

وإذ نسي تلك الطقوس التي سيّجت طفولته في حيّ الشيخة مريم، عادت إليه فجأة بعدما وقع على نصّ قرّبه بضع خطوات من الصوفيّة، فكان في باريس حيث قطن سنوات طويلة، إكتشاف اللغة وإعادة إكتشاف الطقوس... ولم لا التعرّف إليها وكأنها المرّة الأولى.

Hanadi.dairi@annahar.com.lb

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard