مقاتلون بلسان أولادهم: "الحرب لم تقتلني لكنها أحرقت شعري"

19 نيسان 2015 | 19:08

المصدر: خاص- "النهار"

يقال إنّ جيل ما بعد الحرب الأهليّة اللبنانية التي امتدّت منذ سنة 1975 وحتى سنة 1990 يتذكّر الحرب كما يريده أهله أن يتذكّرها. الحقّ على من ومع من؟... العائلة تقرّر، ثمّ يكون للشباب الذي لم يشهد على أحداث الحرب، رأي جاهز، قبل أن يرى النّور. ومن المفارقة أن يبدّل الجيل الشاب آرائه، بعد مشاهدة أفلام مختلفة حول حرب أُرّخت لبلده وباتت ذكرى سنويّة يحتفل فيها بطرق مختلفة. لكن، من هذا الجيل من دخلت الحرب أعماق قلبه وعقله أكثر من غيره، لا لأنّه قرأ أكثر أو شاهد أفلاماً أكثر من غيره، بل لأنّه ابن مقاتل في الحرب الأهليّة اللبنانيّة.
الحرب الأهليّة اللبنانيّة مرحلة تكرّست في طفولة أولاد المقاتلين، كلّ حسب موقع والده الحزبي، خسر وحزن.والأهمّ، روى الحرب من منظار والده في بعض الأحيان، ومن منظار ابن المقاتل في أحيان أخرى. سمعنا قصص الدمّ والدّمار من ثلاثة أجيال مختلفة، أخبرنا إيّاها أولاد ثلاثة مقاتلين، منهم من لا زال موجوداً حتّى اليوم، ومنهم من سلبته الحرب من عائلته.

ترك عمله لأجل الحزب
فريال حرفوش (38 سنة)، ابنة المسؤول الأمني في "الحزب التقدمي الاشتراكي" في الشّوف خلال الحرب الأهليّة اللبنانيّة نديم حرفوش، المعروف بـ"أبو خليل". طفولة فريال عاصفة لم تهدأ، تتحدّث عنها بلكنتها الجبليّة الممتزجة باللّغة الإنكليزيّة،فالصّبيّة هاجرت بعد الحرب إلى الولايات المتحدة الأميركيّة. يرتجف صوتها حيث تقفز بين الأحداث بينما أفكارها تتسارع عن حرب كرهتها: "أذكر قصف البيت عندما كنّا في صيدا... أذكر حين احترق شعري جرّاءقنبلة خلال حرب التّحرير. لم تقتلني القنبلة، لكن احتراق شعري أحزنني".
أبو خليل حرفوش كان يعمل في السّعوديّة، وكانت ثروته كبيرة، في تلك الأيّام. "أبي كان حزبياً، لذا أرسل له رئيس الحزب الإشتراكي كمال جنبلاط برقيّة يطلب منه العودة إلى لبنان للمشاركة في الحرب".

خسرنا مادياً ومعنوياً
العودة إلى لبنان كانت تعني رعبًا واتّصالات تهديد عاشتها العائلة لسنوات عدّة. "أمّي لم تعرف أيّ أخبار عن والدي، تلقّت اتّصالات تهدّد بأنّه لن يعود وأنّها لن تعرف مكانه"، تقول فريال مستعيدةً ذكرياتها الأليمة.
وتضيف: "عشنا قلقاً كبيراً طبعاً... طفولتي لا تشبه طفولة أولاد الحرب جميعهم، فوالدي مسؤول أمني". الطّفل يحبّ أن يسأل عن كلّ الأمور، لكن أن يسأل كيف دارت المعارك، ولما مات رفيق والدها خلال القتال، فهذا سلب للطّفولة. فريال كانت تجلس مع المقاتلين وتسألهم كلّ هذه الأسئلة، "كانوا يرتاحون بعد المعركة في منزلنا، وأسألهم لما مات فلان؟ وكيف قاتلوا؟"

فريال ترى أنّ والدها بطل، لأنّه "نفّذ ما طُلب منه، ولم يتهرّب من المسؤوليّة". تلومه ابنته لأنّ العائلة كانت أحقّ بالمال الذي جمعه في الاغتراب. لكنّ مشاعرها تتأرجح حين تتحدّث عن والدها "المقاتل".
"حتّى لو كان والدي مسؤولاً أمنياً منذ فترة السّبعينات وحتّى نهاية الحرب، أسامحه، ولا ألومه حين يقول: لو عرفنا الحرب هيك نتيجتها ما كنّا عملناها. والدي إنساني. لم يفكّر في حرب أهليّة. أعتقد أنّهم كانوا "محقونين".ك".
وتجد فريال أنّ الحرب الأهليّة لم تحمل الطّائفيّة التي نراها اليوم. تقول: "لم يكن هناك تعصّب. اليوم يسألني زميلي في العمل لماذا أذهب لمار شربل وأنا درزيّة؟.. الحرب الأهليّة اليوم في النّفوس".

تناقضات معركة سوق الغرب...
كان عمر أحمد فاعور 3 سنوات عندما خسر والده المقاتل في الحزب الشّيوعي اللبناني. يفتخر الشاب العشرينيّ بوالده الذي بالكاد يذكر صورته، لأنّ خياره للدّخول في الحرب كان يعني "قتال العدوّ الإسرائيلي"، حسب قوله.
"والدي مات خلال معركة سوق الغرب على يد القوّات اللبنانيّة،" يقول أحمد بتأثّر. ويردّ عند سؤاله على من تقع مسؤوليّة الحرب الأهليّة التي أفقدته والده ملقيا اللوم "على زعماء الطّوائف طبعاً، وعلى القوّات الإقليميّة التي استفادت من الاقتتال اللبناني-اللبناني".
من الصّعب التّحدّث عن أخبار والده المقاتل خلال الحرب، لأنّه لم يسمع رواياته سوى من أصدقاء والده ومن أمّه. وعلى الرّغم من استشهاد والده على يد لبنانيّين، يرفض فاعور المشاركة في أيّ حرب أهليّة يمكن أن تفرضها الظّروف. بالنّسبة له: " نحن نصنع الظّروف، ونختار أن نشارك أو أن لا نشارك". ويضيف: "زعماء الحرب دمّروا الشّباب وزرعوا الطّائفيّة. بينما يتصافحون بحرارة، يُقتل الشّباب لأسباب تافهة".

من الجيش اللبناني إلى القتال في الحزب
أمّا الياس، فوالده شارك في معركة سوق الغرب كذلك. لكن، على عكس والد أحمد، لم يُقتَل. يخبرنا الطالب في كليّة الإعلام والتّوثيق عن بداية دخول والده في الحرب الأهليّة: "بقيَ والدي في الجيش اللبناني منذ عام 1982 حتّى عام 1989، وانضمّ ليقاتل في صفوف حزب القوّات اللبنانيّة". يتفاجأ لسؤالنا: "ألومه للمشاركة؟ طبعاً لا! كنت سألومه لو لم يشارك".

"الخطر كان كبيراً على المسيحيّين، وكذلك اللبنانيّين"، يقول الياس بإصرار. تحدّث كيف صدّ والده، مع رفاقه، الهجوم السّوري. لكنّه فكّر مجدداً عند سؤاله ماذا أفقدته الحرب: "ربّما ألومه لخروجه من الجيش اللبناني. لو بقيَ، كنّا حصلنا على تعويض معنوي ومادي".

فلنعطِ الجميع حقّهم
على الرّغم من العذاب الذي لحق بأمّه، التي شارك زوجها في القتال بعد زواجهما بـ4 أشهر، حيث كانت لا تعرف أخباره لأشهر عدّة، وكانت تتنقّل من الدّورة إلى نهر الكلب (منزل أهلها)، إلّا أنّ الياس (23 سنة) مستعدّ للمشاركة في الحرب إذا فرضت عليه الظّروف. بالنسبة له: "نعيش على فوهة بركان".
يراجع ابن المقاتل نفسه: "أستبعد حصول حرب أهليّة جديدة، لعدم توفر المال للبدء بحرب. لكنّني أرى كذلك أنّ الجميع أخطأ. أنا ماروني، لكن الموارنة أخطأوا كما جميع الطوائف الاخرى، ومن يتعامل بفوقية واستقواء مع الآجر يستجلب ردات فعل مماثلة".
ويضيف:"فَلنعطِ الجميع حقّهم في لبنان، ولدينا مساحة أكبر من التّعبير عن آرائنا بحريّة اليوم، خصوصاً عبر مواقع التّواصل الاجتماعي. نتحاور بدل أن نتقاتل".

أولاد المقاتلين، يتحدّثون انطلاقاً من تجربة أهلهم المريرة في الحرب. على الرّغم من تفاوت آرائهم حول احتمال مشاركتهم في حرب، إلّا أنّهم متّفقون: الحرب خسّرتنا الكثير، ولم تربحنا شيئاً. فلنتعلّم من خسارة حياة والد أحمد، الذي لم يرافقه في مراحل حياته، ومن التهديدات لأم فريال، وذعر والدة الياس. هم تذكّروا خسارتهم، لذا لن يعيدوا التّجربة عينها.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard