ريمون جبارة فوق البحر والوادي

14 نيسان 2015 | 20:18

المصدر: "النهار"

  • المصدر: "النهار"

ليس أفضل من راوٍ لسيرة ريمون جبارة وتجربته المكثفة، وفقهه للمسرح ومفاهيمه، وآرائه في ما آلت اليه الخشبة اللبنانية، ليس أفضل من ريمون جبارة حاكياً الخبايا ومجيباً جريئاً عن الأسئلة. في الآتي نعرض لحوار مطوّل أجراه في تموز من العام 1992 الزميل سليمان بختي في "النهار" مع الفنان المسرحي الكبير.

 

■ ريمون جبارة، ماذا تتذكر من صور طفولتك التي تشكل بدايات علاقتك بالمسرح؟

- منذ بداية وعيي لطفولتي أفكر في المسرح، وأنشغل بصوره ومشاهده. ولا بداية كانت من خلال التمثيل في الأعياد والمناسبات الدينية مثل زياح القربان وغيره. يأخذوننا أطفالاً صغاراً ويلبسوننا ثياب الملائكة. وأذكر مرة أنهم شدوا الرباط على رأسي وكتفي ليركب الجناحان، ما سبب لي وجعاً في الرأس قوياً. ولا أعتقد أنني انوجعت كما انوجعت وأنا في دور الملاك وثيابه وآمل أن لا تكون مهنة الملاك موجعة الى هذه الدرجة. المهم، كان في قريتنا مؤلف مسرحي اسمه قيصر الزغبي ولديه مسرحيات مقتبسة ومؤلفة. وكان مختار الضيعة هو المخرج لهذه المسرحيات. أول مسرحية شاركت فيها لقيصر الزغبي ومن إخراج المختار وكان معي دور هو جملة واحدة وكلفتني هذه الجملة ثلاثة أشهر من الكناسة والشطف والتدريب والعمل في المسرح وكانت المسرحية تقدم وتمثل لليلة واحدة. والأحلى من ذلك يوم المسرحية أن الممثل الذي هو قبلي نسي جملته فطارت جملتي. في سنة 1960 التحقت بفرق مهرجانات بعلبك مع منير أبو دبس ورضا خوري. ثم انتقلت وعملت ومخرجين مثل أنطوان ملتقى وبرج فازليان. ومن التمثيل الى الكتابة والتأليف والإخراج والمسرح بأنواعه ومضامينه وجوانبه.


■ ريمون جبارة الممثل والكاتب المسرحي والمخرج ورئيس مجلس ادارة التلفزيون سابقاً اين تجد نفسك تماما؟
- في التمثيل. الممثل يطغى لدي على المؤلف والمخرج. التمثيل شغفي الاول وهواي الاصعب. واحس وانا اقوم بدور ما بنشوة غريبة. بلذة العطاء. بنكهة التحول.

■ أفضل دور لك ممثلاً؟
- "كريون" في "انتيغونا" و"ريتشارد الثالث".

■ حين انتقلت الى الاخراج من مثّل ادوارك؟
- غالباً، كميل سلامة.

■ الى من تتوجه في مسرحك؟
- ليس لدي هدف اصيبه، ولا كرة ارميها. بل اقول مسرحي هو كما حال الشاعر والقصيدة. مسرحي طالع من الهم الانساني. الانسان الحساس يلتقي معي، المثقف غالباً لا يلتقي.

■ الاشكال او الهوة بين مسرحك والناس بمعنى التجاوب الواسع، في رأيك مرده الى حدة انعكاس الواقع فيه – أي الناس لا يحبون صورتهم كما تظهرها في مسرحك، او الى حدة النزعة التغييرية فيه؟
- البعض تضايق من هذا المسرح لانه يعكس ويقول الحقيقة. في "زرادشت صار كلبا" نقلت الذي عانيناه. ألم يذلنا الحاجز ومسؤول المنطقة والجوع والخوف والحرب؟ الذي خلق الاشكال الذي تحدثت عنه او سوء التفاهم بين مسرحي والجمهور هو الرائج من الفنون. أغلب الجمهور يذهب الى المسرح وبه الذهنية والعادة انه سيكون امام حلقة تلفزيونية لابو ملحم او انطوان غندور. او كمن يقرأ سارتر ونيته مجلة فنية خفيفة. كل فن يجب ان يحرك الضمائر ويهزها او لا يكون. وهذا جوهر مهمة الفنون والثقافة. المسرح ليس حبة اسبيرين ولا بنادول. يجب أن يحرك ويغير اشياء في داخل الانسان. مسرحي اذا لم يفهمه الناس فلن ينسوه. وهذا يذكرني بحادثة لي في الحرب اذ عزمت مسؤول المنطقة الحزبي الى حفلة الافتتاح لاحدى مسرحياتي. وتعرف المسؤول الحزبي شو مهم بالحرب فهو الله والقاضي والجلاد. بعد اسبوع التقيته فبادرني "والله يا استاذ ما فهمت من مسرحيتك شي ولكن على اسبوع ما قدرت نام. قلقتني". فقلت: "هذا المطلوب". بالفن يرتمي الانسان ولا يسأل ويترك للأشياء ان تلعب لعبتها.

 

 

■ في رأيك ما وجه أزمة المسرح اليوم، أزمة نص أم هوية أم ابداع؟
- لا دخل لازمة المسرح في الابداع. ورأيي ان الازمة عابرة ومردها الى التدني والهبوط في مستوى كل شيء في الحرب. والمخرج العاجز هو الذي يقول ان هناك أزمة نص. "شو خلصوا المسرحيين العالميين"؟ انا أضحك حين أسمع هذه الكليشية الصدئة: أزمة نص. الاخراج هو كتابة ثانية للنص. رؤية جديدة. وهناك عاجزون من نوع آخر يقولون ان لا نص عربياً ما يذكرني بالدكنجي الحقير الذي يقول اذا سألته عن الرز "والله مقطوع"... لانه هو ما عند منه ليبيع، وفي معهد الفنون طلاب يكتبون نصوصاً ويجيدون. أما القول بأزمة نص وأزمة هوية والى آخره فهذا كلام هروبي لا يوصل الى شيء.

■ انت من الجيل المؤسس في المسرح وفي وسط ما آل اليه المسرح اللبناني، ما ردك؟
- هذا يحصل في العالم كله في نيويورك وباريس ولندن. هناك مسرح تجاري يلاقي الاقبال والجمهور ومسرح هادف وتجريبي لا تجد أحدا فيه. هذه مرحلة عابرة لا تدوم ولو اكل الرديء الجيد. المهم ان لا ييأس المسرحيون الاصليون. لان الخوف الكبير ان ييأسوا.

■ بعض المسرحيين من جيل الرواد تنازلوا وبرروا ذلك بالعيش والضرورة، الى أي حد ترى الصواب في هذا الموقف؟
- المشكلة المعيشية صعبة وضاغطة. وانا في ازمة مع عائلتي من هذا النوع وأعاني. عائلتي تعرف ما يكتب عني من نقد جيد وتقدير ولكن المشكلة المعيشية خانقة وتزداد والظروف تصعب. ولا أستطيع التعليق بأكثر.

■ هل يمكن القول ان لنا مسرحاً لبنانياً يحمل هويته وذاتيته الخاصة؟
- ما دام المبدع لبنانيا فهناك مسرح لبناني. اما الذين يدعون الى المهرجانات والمؤتمرات ويصرحون وينفون ويؤكدون ان لا مسرح عربيا فلا أعرف ماذا يقصدون؟ هل يجب ان يقدم المسرح في خيمة حتى يصير عربيا؟ وماذا يريدون؟ مسرح صيني. هناك مسرح والمبدعون فيه من جنسيات مختلفة. طبعا هناك مسرح لبناني ومسرح عربي. ويبقى المسرح اللبناني رائد المسرح العربي وبشهادة المسرحيين العرب.

■ تكون لديك توجه الى المسرح الديني، لأي هدف غامرت تحت هذا العنوان: ردة لنقيض الواقع المفكك في المجتمع اللبناني – أم عودة الى التراث؟ ام طرح لملامح هوية ذاتية تصرخ بقوة؟
- نقصد مسرحية "شربل".

■ "شربل" و"محاكمة يسوع".
 "شربل" كانت مسرحية تراثية وليست دينية لأن تطويب شربل مهمة البابا وليست مهمتي. اما "محاكمة يسوع" فتكلفتها من كنيسة من اجل عالمنا. وانا اعجبت بشربل. بسيرة الرجل. بالانسان فيه. ولم يكن في المسرحية اي توجه او لحظات طائفية. شربل كان يجسد الطيبة التي فقدناها في الحرب. وعندما طلبت اللجنة مني هذه المسرحية ترددت كثيرا لأنني لست معتادا هذا النوع. وبصراحة هذه النغمة انني اعمل مسرحا دينيا ولدت في المنطقة الغربية وبالاذن من بيروت الكبرى من اناس من طائفتي لعلهم كانوا في حاجة براءة الذمة. وبراءة الذمة هذه هي الذل بعينه. انا اشتغلت مسرحا في الشرقية وعالجت واقعي ولم اتعرض او ابيض او ابخر...


■ وفي إطار هذا المسرح الديني هل ساعدك على تسليط الضوء على المصير الانساني؟
- انا سلطت الضوء على الانسان في "شربل" ورأيت شربل من خلال الشك. ولست طوباويا انا علماني. كما ان "محاكمة يسوع" اقتباس للايطالي دياغو فابري واعتقد انها اروع المسرحيات التي عالجت موضوع يسوع وعلاقته بتلاميذه والآخرين. وعلى كل حال انا افتخر بـ"شربل" و"محاكمة يسوع" كمخرج ومؤلف. واستفيد من هنا لاقول ان الاشخاص الانقياء في الحرب لم ينظر اليهم في منطقتهم بمنظار النقاء. وفي المنطقة الثانية نظر اليهم من خلال الانتماء الطائفي الديني.

■ في اقتباساتك تعيد نسج المكونات حتى لكأنك تنتقي الفكرة وتعيد مسرحتها ماحياً الاقتباس؟
- مسرحية قندلفت يصعد الى السماء اقتبستها من ارابال، "احتفال بمقتل زنجي". وفي امكاني طبع نصي المكتوب ونشره. فهو غير ما كتبه ارابال تماما. عملية اعادة كتابة وكنت اعطي للصحافيين النصين للمقارنة. اكتب المسرحية من جديد، اعيد بعثها. و"صانع الاحلام" مثلا غريبة كثيرا عن "رجل لامانشا" وكذلك "محاكمة يسوع" في النص الاصلي هي محاكمة قضائية وقمت بإدخال شخصيات جديدة وحولتها الى مسرح.

■ هل تشجع الترجمة؟
- اشجع الترجمة اذا لم يكن تأليف او اقتباس. لأن الترجمة المسرحية غير الادبية. ترجم خليل مطران مسرحيات غير قابلة للتمثيل. لا تمسرح لأن التركيز كان على الجانب الادبي. لا يستطيع اي غريب عن المسرح ان يكتب او يترجم للمسرح انا اؤمن ان طالبا مبتدئا يمكنه ترجمة مسرحيات عالمية بطريقة افضل من اي شاعر او اديب. والشرط الوحيد توافر الحس المسرحي. النص في المسرح يجب ان يكون على قد الفكرة بينما عند الشاعر كلام فائض. بعد الترجمة انا مع الاقتباس الذي هو وسط الطريق بين الترجمة والتأليف والى ان نصل الى التأليف الخالص. واعتقد ان هذا السبيل اذا سلكه المؤلف اللبناني اوصله الى الصحيح.

 

 


■ مَن من المؤلفين اللبنانيين تعتبره كاتبا مسرحيا؟
- سعيد تقي الدين هو رائد المسرحيين يليه عصام محفوظ، شكيب خوري، جلال خوري في بعض اعماله، رفيق علي احمد، وبول شاوول في مسرحية له نشرت في "النهار" ولم تمثل بعنوان "الساعة خمسي".

■ نصك المسرحي لطالما وصف بالرؤية والحساسية العميقة والتنوع والشاعرية، ما النسغ الذي يسقي هذه الاشياء؟
- مسرحي مشكلته مع الله، مع نظام الوجود. المشروع الانساني نفسه. وهذه الافكار هواجس منذ صغري لا اعرف. ربما تربيتي وضعتني في هذا الاتجاه. ربما سنوات المرض في طفولتي المعذبة هي بئر عطائي.

■ الجو الاحتفالي الذي يخترق مشاهدك وفصولك المسرحية ما جذوره لديك؟
- هو جو ضيعتنا في تعدد الصور الاجتماعية والطقوسية والاحتفائية والمشهدية. مسرحيا، قمت باخراج اعمال شارك فيها 30 الى 40 ممثلاً وصولا الى مسرحية من شخصين او ثلاثة. المضمون هو يفرض الشكل. وانا اعمد الى تركيب المشهد بحركة سريعة وخفيفة من دون أن يشعر المشاهد. وكل شكل يخدم الفكرة مقبول وليس هناك شكل يمكن القول عنه انه غير مقبول. القصيدة هي التي تخلق شكلها. اجواء الضيعة وحنيني الى عيد كنيسة قريتنا والى ساحة الكنيسة والاعراس والمأتم والمناسبات. منها استقيت صوري الكثيرة. والمبدع يأخذ من الذاكرة الواعية واللاواعية وليس في المسرح فكر جديد. بل شكل جديد يؤدي المضمون الفكري. انا اهتم بالشكل حتى الدين ليس مهماً عندي بجوهره بل باشكاله، اشكاله هذه تخلق لي حنينا غريبا ولا اعرف الى اين يأخذني. في فترة كت اريد ان اعمل عاشوراء مسرحياً. وهذا قبل ان يصبح الفن من صنع الشيطان. اهتم كثيراً بالوجه الوثني للاديان، للطقوس والعادات والتقاليد. وكلها اشكال تعبيرية لمضامين افكار وتتشابه ولا تختلف كثيراً. في مسرحية "زرادشت صار كلبا" اتذكر هذه الجملة "كان في مائة اله وما لحق على الناس كيف هلق الله واحد ملحق على الناس كلها".


■ اضفاء الشكل المسرحي على مشاكل العصر في رأيك يعبّر عن الحداثة على ما يقول برشت، ام التغير في الحساسية هو يؤدي الى ذلك على ما يقول الناقد المعروف هربرت ريد.
- ما بقي من برشت هو معالجته للمعاناة الانسانية. الانسان الذي عنده مشكلة مع الله والنظام الارضي. يعني لا مع الله بخير ولا مع الرئيس او السيد بشير. والحداثة تاليا يخنقها مبدع دون تغيير في المواضيع. التغيير ينحصر في الموقف والطريقة والاسلوب وكيفية تطوير القصة. مثلاً لماذا قصص جرجي زيدان لا تشبه قصص يوسف حبشي الاشقر أو الياس الديري. هناك فارق وتغيير زمني ومكاني وفكري وحساسية مغايرة وجو مختلف.

■ هل من كتابة خاصة بالمسرح أو كما يقول يونسكو كل نص مسرحي مهم يحمل في داخله امكانات اخراجه. وكمخرج تجيد الكتابة المسرحية وتبدعها، اي علاقة بين الكتابة والاخراج؟
- في احيان كثيرة اكتب المسرحية واراها تتحرك امامي. اعيشها واراها. الاخراج عادة لا يأخذ معي وقتا كبيرا. وهذا يساعدني لانني في الكتابة والاخراج املك رؤية شاملة لما يحدث على الخشبة. الكتابة المسرحية تفترض أساساً الحس المسرحي والالمام بالتفاصيل والرؤية الشاملة. لا اؤمن مثلاً بالمسرح الشعري المنظوم. لا اعتبر مسرح شوقي هو مسرحاً. في حين اعتبر انسي الحاج قريباً من المسرح لأنه عمل فيه ترجمة واقتباساً واشترك في تمارين تمثيلية مع منير أبو دبس، والذي لا يعيش في المسرح من الصعب أن يكتب للمسرح.

■ هل تبحث عن حقيقة ما في المسرح؟ هل وجدتها واعليتها في المكان؟ وهل تعتبر انك قلت كل ما تريده في المسرح؟
- أنا في المسرح أطرح همومي. اغني وجعي كالبدوي القديم في الصحراء. ووجعي هذا قد يلتقي مع وجع الآخرين ويحدث التواصل. وجوابي عن الشق الثاني انني لا اعتبر انني قلت كل ما أريده في المسرح. قلت أشياء، حالات، واذا اعطانا الله العمر أكمل خطواتي وكلامي. أشعر بالظمأ أكثر مما أشعر بالارتواء.

■ إلى أي حد تحس أحياناً أنك باقترابك من الواقع الانساني والاجتماعي والسياسي تبتعد عن مقتضيات الدراما؟ وأمام متفرج غير مهتم تضطرك الجرأة الى التصريح بما يوقع أحياناً في الخطابة والمباشرة ويبعد تالياً عن طبيعة المسرح؟

- مسرحي مسرح عدواني. مسرح يفصح عن نفسه بقوة. يورط. لا يعني الاقتراب من الواقع الانساني بالضرورة ابتعاداً عن مقتضيات الدراما والسقوط في الخطابة. لا ألجأ في مسرحي الى الخطابة والمباشرة. ومن فرط صدقه وحيرته لا تعرف وانت تشاهد العرض "اذا بدنا نضحك أو نبكي". وهذه الكلمة مقتطفة من شهادات النقاد.

■ من يلفتك في التجارب المسرحية في الفترة الأخيرة؟
- "الجرس" مسرحية جيدة، لرفيق علي أحمد، فيها أصالة وفي النهاية الفن أصالة. وأوجه تحية تقدير للصديق رفيق علي أحمد ممثلاً ومؤلفاً لأنه استطاع أن يعبر بصدق وأصالة ويبدع. مسرحية "الجرس" تُصوّر بصدق ومعاناة وارهاف واقع الجنوب وأهله وكما هم على الأرض وقبل أن يجيء المتعهدون والمطبلون والمزمرون والمسبحون بحمد الجنوب. ولكنها استثناء تؤكد القاعدة واعني تردي المسرح التجاري وغرقه في التفاهات والقشور. وأذكر هنا أيضاً مسرحية شكيب خوري الأخيرة "أمام الباب".

 

■ وزياد الرحباني؟
- أنا أحب زياد. وهو فنان موهوب وأصيل ومسرحه مسرح سماعي أكثر منه مشهدياً.

■ أنت استاذ في معهد الفنون كيف ترى الى الجيل المسرحي الشاب الطالع من تجربة الحرب، وكيف تستشرف أفق المسرح في لبنان؟
- بحسب ما أرى في معهد الفنون عبر الفرعين أن هؤلاء الطلاب "معتّرين" مثلنا تماماً. وأنهم أمل المسرح الوحيد بامكاناتهم الذاتية وحماستهم وحيويتهم بشرط أن يتحصنوا بالمناعة ولا ينزلقوا في الأعمال التلفزيونية التافهة. أجد فيهم الاختمار والنضج والحس الانساني والمسرحي العميق. وأحزن حين لا أجد أحداً من المهتمين والمسؤولين "فاضي" عنده وقت لطوشتهم وأفكارهم وأحلامهم.

■ تملك حساً رافضاً ومتمرداً وحاداً كيف قبلت بالوظيفة، رئيس مجلس ادارة تلفزيون لبنان؟
- لا، لا أريد الخوض في غمار هذه التجربة المريرة.

■ ما رأيك في البرامج التلفزيونية؟
- وهل يمكن تسميتها برامج: "راكيل" أو برنامج أطول شوارب. وأتخن بنت. تصوّر الذل.

■ ولكن على أيام إدارتك للتلفزيون لم نلمح التغيير المرجو منك أنت ريمون جبارة؟
- تصوّر برنامجاً ثقافياً أسبوعياً شاملاً لم ينل إعلاناً واحداً. على كل حال لا أريد الخوض في هذه التجربة.

■ لما علمت بمرضك شعرت وكأن هذا العجز الذي عبّرت عنه في "ذكر النحل" وفي شخصياتك وصدقك في التعبير انتقلا من الروح الى الجسد، من فضاء المكان الى الجزء، من الكثرة الى المفرد؟
- مسرحياتي هي حياتي. في "زرادشت صار كلباً" واحد يحكي مع جدته في السماء يقول: "علمتني أمشي ورأسي مرفوع وما قلتيلي إنه ما في بالحياة أبواب وكلها طواق صغيرة. هناك ضريبة يدفعها الصادق. العنفوان في الحياة له ثمنه وله لذته أيضاً. وطوال حياتي لم أنظر الى أحد إلا في عينيه. "وقلال الناس اللي بيطلعوا بعيون بعضن".


■ هل تعتبر مرضك نقطة تحوّل بين مسرحين في حياتك؟ والى أي حد تغيّرت بعد المرض؟
- انشاالله لا. وأكيد هناك تحوّل إنساني وتغيير في الحياة. فقدت لذة كل شيء. وعرفت الذل بالحاجة الى الآخر في كل شيء.

■ أهناك طقوس معينة اعتدت ممارستها في الاخراج؟
- هذا شيء خسرته اليوم بسبب وضعي. أشعر بلذة كبيرة خلال التمارين المسرحية على المسرح وفي الصالة وانتقل بين الممثلين. أو أقف في مكان لا يرونني فيه. أن أؤدي الحركة أمام الممثل لأشرح عملياً ما أرديه، هذا شيء خسرته ولا أعرف ماذا ربحت.

■ المجموعة التي عملت معك لطالما اعتبرت أهم نواة مسرحية مختمرة موهبة وحضوراً في لبنان أين هي اليوم، واستطراداً الى أي حد يمكن الفرق الجماعية أن تعيش وتؤدي دورها؟
- إذا نجح ريمون جبارة فبفضل زملاء كان لهم المساهمة الكبرى والدور الأساسي من مصمم الديكور الفونس فيليبس الألماني الاصل واللبناني الانتماء، الى الممثلين رضا خوري ومادونا غازي وكميل سلامة ورفعت طربيه وصلاح مخللاتي ومنير غاوي ورندة الاسمر وغيرهم. أما قصة الفرق الجماعية والتأليف الجماعي فلا أؤمن بالتأليف الجماعي بدون ضابط ومنظم ومايسترو. ويجب أن يكون مايسترو، واتحدث عن تجربة لأنني اعتبر نفسي رائد التأليف الجماعي في معهد الفنون وانطلاقاً من الارتجال. والتأليف الجماعي يحتاج الى مناخات ومعايشة ظروف واحدة ومعاناة مشتركة وهموم وهواجس واحدة.

■ أما زلت تعيش كوابيس الحرب أم بدأت تستشرف السلام؟
- نعم، بدأت استشرف أفق السلام. وأؤمن بعد 12 سنة من الحرب، بعد المعاناة القاسية والصعبة للشعب اللبناني، وبعدما طاف الجلاد طويلاً فوق رؤوس الضحايا، أنا مؤمن أن حزن الشعب اللبناني وعذابه لن يذهبا سدى. هذه الأشياء ستجعل من الشعب اللبناني شعباً أكثر أصالة، والأصالة تعني الهوية والتاريخ، وتعني كل شيء. واعتقد وأتمنى أن يبدأ تاريخ لبنان الحقيقي منذ فترة الحرب وما بعدها وليعذرنا في ذلك الفينيقيون وفاتحو الأندلس.

■ ماذا تقرأ في هذه الايام؟
- اعاني صعوبة القراءة. يفترض ان اكون مرتاحاً جسديا لاقرأ. وحين أقرأ اشعر بالتعب. وتأخذني افكار الى مطارح بعيدة.

■ من يلفتك من الشعراء اللبنانيين والعرب؟
- شعراء مجلة شعر انسي الحاج، شوقي ابي شقرا، ادونيس، فؤاد رفقه، خليل حاوي، محمود درويش. ومن الشعراء الشباب والمخضرمين محمد علي شمس الدين، بول شاوول، عقل العويط، عبده وازن.

■ جيلكم لماذا هو مميز؟
- لاننا لم نعرف السهولة. تعذبنا. تعبت ايدينا وحزنت قلوبنا. دخلنا بصدق وخرجنا مجروحين.

■ اي قلق يستحوذ عليك في هذه الفترة؟
- قلق الحرية الجسدية، ان اعود لاكفي نفسي جسدياً. اعيش اليوم بنصفي الجسدي.

■ ماذا تحلم؟
- احلم بالطيران والتحليق. واحب التبصير. النسوان شاطرات بالتبصير. احمل فنجاني وادور من بيت الى بيت. التبصير يفتح لي فسحة أمل او وهم او بياض.

■ والمسرح؟
- هذه الخشبة احاول ان انجو بها في البحر الكبير.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard