رسالة شخصية من شابة مسيحية وشاب درزي... يجب أن تُقرأ

13 نيسان 2015 | 14:00

المصدر: "النهار"

لا تزال تحلم أن تزور بلدتها كفرسلوان... منذ نحو السنتين كتبت مقالاً عن ملف عودة مهجري بلدة كفرسلوان، التي لم تتحقق على رغم كل المساعي الحثيثة حيناً والباردة في معظم الأحيان. يومذاك كتبت عن طفلة لا تعرف بلدتها بسبب حرب أجبرت أهلها وكثيرين غيرهم على هجرة قراهم. تلك الطفلة التي كبرت وأصبحت ما هي عليه اليوم... هي أنا رين بوموسى ابنة كفرسلوان التي لا تعرف بلدتها.

ملف كفرسلوان، هو الملف الأخير من ملف المهجرين نتيجة الحرب الاهلية اللبنانية. كفرسلوان بلدة تجمع عائلات مسيحية ودرزية، فصلت الحرب بينها وهجرت ابناءها. ابو موسى، شمعون، قرطباوي، سعد، صليبا، صليبي، الشاعر... هي عائلات مسيحية عاشت بإخاء ومحبة وسلام مع مثيلاتها من العيل الدرزية كحاطوم والمغربي، حتى وقعت حادثة فردية مؤسفة وتتالت الحوادث وتشعبت المشاكل لتشمل عائلات البلدة والبلدات المجاورة.

منذ العام 1975، عام بدء الحرب اللبنانية، حافظت كفرسلوان على العيش المشترك حتى اليوم، رغم محاولات كثيرة لضربه. خلال الحرب تهجر قسم من المسيحيين ولغاية الساعة لا يزالون بعيدين من منازلهم وأرزاقهم.

في الذكرى الـ 39 لنشوب الحرب الأهلية، تعرفت الى شاب درزي من آل المغربي من كفرسلوان، يدعى سلمان المغربي، واتفقنا، من السنة الماضية، ان نكتب مقالاً مشتركاً بهدف تسليط الضوء على العلاقة الجميلة التي تجمع المسيحيين والدروز منذ القدم، لنؤكد أن عودة الاهالي الى كفرسلوان يجب أن تكون قريبة. لم نرد أن نكون طوباويين أو ننقل جميلا يقال في العلن وقبيحا يسر به في الخفاء، لكن ما يعنينا ان ننقل صوتنا، كشابة مسيحية وشاب درزي نتطلع الى غد لا يشبه ما عاشه جيل ابائنا.

ايلين وجميل

أجرينا مقابلتين، الأولى مع سيدة مسيحية تدعى ايلين أبوموسى (82 سنة) والثانية مع رجل درزي يدعى جميل المغربي (84 سنة)، والاثنان من أبناء البلدة.
جالسة في مقعدها المعتاد في منزلها الكائن في منطقة فرن الشباك، تحدثت ايلين التي غالباً ما تزور القرية عن العلاقة المميزة التي جمعت المسيحيين بالدروز. عادت ايلين وعائلتها الى كفرسلوان في تسعينات القرن الماضي بعد انتهاء الحرب مباشرة، في حين أن عددا من أقاربها لم يزوروا كفرسلوان منذ خروجهم الأول منها، بسبب الأحداث الأليمة.
تأسف ايلين عندما تتذكر الايام السوداء في ظل المعارك وتحاول جاهدة التهرب من أجوبة عن أسئلة تتعلق في فترة الحرب التي قتلت أرواحاً وشردت عائلات ودمرت منازل وسرقت أحلاماً.

"بقوموا بفرحنا وكرهنا ونحنا كمان"، قالت ايلين والابتسامة تزين وجهها الابيض الذي يحمل في طياته تجاعيد حكمة سنواتها الثمانين. ذكرت هذه الجملة لتشير الى ان اهالي كفرسلوان أدروزاً كانوا ام مسيحيين، فهم اهل قرية واحدة وهم عائلة واحدة يتشاركون الافراح والاتراح.

تتذكر ايلين كيف كان الرجال يجتمعون كل ليلة للعب الورق او "طاولة الزهر"، و"يا عيني عالخسران.. بضل التزريك لاحقو لتاني نهار"، وحين يجتمع الأولاد لمشاهدة "أبو ملحم" في "قهوة الضيعة". ذكريات كثيرة مرت في رأسها، وطبعاً لم تنس ايلين عندما كانت النسوة يجتمعن لتحضير المونة، "كنا نتولدن مع بعضنا".

خلال الحوادث لم تتأثر هذه العلاقة، فالمشاكل التي وقعت، "غصباً عن الكل"، لم تقسم الشارع "الكفرسلواني" الى قسمين درزي ومسيحي، تخبر ايلين ان "جيراننا الدروز كانوا يرسلون لنا محاصيل ارضنا".

تربط الطائفتين علاقات اخوة تعود لسنين كثيرة، وهذا ما اكده السيد جميل المغربي، الدرزي الذي يحب بلدته كما الجميع في كفرسلوان، "كنا نحن والمسيحيين في القرية أقرب الأصدقاء إلى جيراننا... كلمة جيران لا تعبر أصلاً. نذهب معا إلى العمل في البقاع، نتحمل معا مشقة الطريق إلى بيروت. لا مشاكل تفسد المودة ولا حدة في التعامل"، يقول والحنين ياخذه في رحلة إلى الماضي.

يتذكر اجمل اللحظات التي تشاركها ابناء بلدة كفرسلوان ، "أطفالا كنا. نلهو في الحقول. نخوض تحديات الجلول. كانت البراءة هي الطاغية. كنا نحيك المؤامرات لكنها مؤامرات من نوع آخر". يخبر المغربي والضحكة ارتسمت على وجهه والعينان تغوصان في الاعماق باحثتين عن الذاكرة البصرية، ويقول: "وصل بنا الأمر في أحد الأيام إلى سرقة محدلة، نعم محدلة، أحضرناها لنتبارى من يمكنه أن يرفعها أكثر".

شفيعة الضيعة

في البلدة الواقعة في المتن الاعلى، كنيسة القديسة تقلا، "شفيعة الضيعة"، مسيحيون ودروز يتعاونون للاحتفال بالعيد. الاطفال، دروزاً ومسيحيين، يشترون ثياباً جديدة ليتباهوا بها، اما الكبار فيحضرون كل ما يلزم لاستقبال الحجاج ليل ٢٣ ايلول ويوم عيد مارت تقلا في ٢٤ ايلول. تشير ايلين الى ان الدروز يتقاطرون للمساعدة في هذا العيد وكان العيد يعود للطائفة الكريمة، لافتة الى ان دروز كفرسلوان يخصصون للقديسة تقلا مكانة مميزة في قلوبهم.

تقاطع ايلين فجاة الاسئلة التي كنا نطرحها، "بدي خبركن خبرية منتذكرها دائما"، وراحت تروي قصة حدثت في كفرسلوان منذ القدم، وهي معجزة حدثت بشفاعة القديسة تقلا، "في احد الايام سرقت كنيسة مارت تقلا، وراح المسيحيون والدروز يتبادلون الاتهامات، حتى اتى يوم سمع الاهالي ضجيجاً وصراخاً مصدره كنيسة مارت تقلا الواقعة في وسط البلدة، واذ بهم يتفاجأون برجل يتعارك مع نفسه داخل الكنيسة يتجه نحو المذبح حيث صورة القديسة يفتح عينيه، وحين يبتعد متوجها نحو الباب حيث النور يغمضهما وكأنه يتعذب، في الاخير تبين ان هذا الرجل هو اللص". ارادت ايلين من تلك القصة ان تؤكد لنا ان العلاقة الدرزية المسيحية في كفرسلوان على اتم ما يرام بشفاعة القديسة تقلا،فهي جمعتهم في السابق ولا تزال القديسة حتى اليوم حريصة على هذه العلاقة المقدسة بين الطائفتين.

حان الوقت

ارتأينا ان نكتب هذا المقال ونرمي الأحقاد والضغائن والمشاكل خلفنا. اردنا ان نؤكد اننا سنحافظ على هذا العيش المشترك والارتباط التاريخي بين المسيحيين والدروز في بلدتنا كفرسلوان، حان الوقت لندفن كل ما مر من سوء وننسى ان حرباً اتت لتفرقنا ولم تنجح، لنبدأ صفحة جديدة بيضاء ناصعة، ونستعيد الماضي الجميل عبر جيل جديد يطوي الصفحات الأليمة، فتعود العائلات المهجرة الى كفرسلوان. فصرختنا (رين وسلمان) نوجهها لجميع المعنيين بايجاد الحلول سريعاً لملف عودة اهالي كفرسلوان الى بلدتهم، "نريد ان نحتسي القهوة معا في الضيعة".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard