عصام بريدي عاشَ موتاً أسرع من حياته

12 نيسان 2015 | 14:12

المصدر: "النهار"

قضى عصام بريدي من غير أن يعلم أنّ العمر لحظة مأساة. 35 عاماً شاء صباحٌ كئيب اختزالها رغماً عن العقل صاحب الحساب المغاير. الموت أقوى من العقل. بالجرح. والقهر. وانهيار الزمن. العقل صبورٌ على صاحبه. يتيح له الصعود التدريجي نحو النضج واكتمال التجربة. لم يبدأ عصام بريدي باكراً رحلة الوقوف أمام الكاميرا. استطاع بأدوارٍ قليلة إثبات حضور الممثل الصاعد. لَفَت في الكوميديا بأداءٍ سلس ظلّ الى حدّ ما قابلاً للاقناع. "آدم وحواء" أشبه بانطلاق نحو فرص جديدة. قدّم مع باتريسيا نمور حياة الثنائي غير المستقرّ، واستطاع في محطات، ضخّ أجواء كوميدية غير متكلّفة. هو مِن الممثلين الذين لا تعوزهم أضواء الشهرة لدخول قلب المُشاهد اللبناني. حَمَل نزعة "شعبوية" قرّبته من الناس وتركته على شيء من "الخوشبوشية" المَرِحة. اجتمع مع ديامان بو عبود في "زفّة" على الحال نفسها من الكوميديا السلسة. رغم تكلّف النصّ وبنيته التي تشبه الصبّ، قدّم بريدي دوراً أضحك بالكثير من لحظاته. هو في المسلسل شابٌ لا يحقق أي أمنية. مولعٌ بالتدخين ومشاهدة أفلام الجنس، ولا ينفكّ ينتظر التفاتة أحد الى مواهبه المُهمَلة.

 

اختزل بريدي أسلوب البساطة تمثيلياً من دون أن يدّعي أنه سيّد المهنة أو رقمها الصعب. لم يحلّق عالياً بأجنحة وهمية، ولم يبدُ من الميّالين الى البهرجة والتباهي المبالغ فيه بكلّ دورٍ يُنجَز. حضوره الأقل بُعداً كان في "لعبة الموت"، لكنّه ظلّ كمن يلتقط من كلّ شجرةٍ ثمرة. كان من الذين لا يحرجهم صعود السلّم درجة درجة. دوره اليوم في "علاقات خاصة" تقريباً أفضل ما قدّم. لا تزال شخصية عماد قابلة للاحتمالات كلها. تربطه في المسلسل قصة حبّ متقلّبة مع آية طيبة في دور رنا. استطاع بريدي الإبقاء على شَعرة عالقة بين كونه يشعر بالحب تجاهها أم أنّه انتهازي يستغل ما تملك من ثروة. الدور واعدٌ بمطبات ننتظر قدرته على تجاوزها. اختير ليكون ابن عكار النازح الى بيروت من أجل مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة". بريدي لا يُظهِر ما قد يملك دفعة واحدة. بدايات الممثل قابلة للتلعثم والاخفاق، وهو في بداياته أدرك أنّ النجاح دربٌ طويلة لا مجرّد صدفة على مفرق. ليس بريدي صاحب تاريخ من الأدوار ليُصار الآن الى استعادتها وتفنيدها. قوّته في البساطة داخل القليل الذي قدّم. رحل فيما "علاقات خاصة" لم ينتهِ و"بنت الشهبندر" (رمضان المقبل) لم يبدأ. شوَّش موته الأذهان لفجائيته وانطوائه على مأسوية لا يبدو أنها تترقّب حلاً. ليس عصام بريدي صاحب أرشيف تمثيلي كامل. لعلّه رحل قبل الكثير المُراد أن يتحقق. في حسابات الفن، يُعدّ ما قدَّم ضئيلاً لا يُبنى المجد عليه. لحظة الموت جعلت عصام بريدي الإنسان يغلب كلّ ممثل. 

 كان الظنّ أنّ هذا الصباح سيُبقي على أناقته ورغبته في التقدُّم على مهل. مَن قال لعصام بريدي أنّ بعض الصباحات يحتاج الى الدمع ليغسل وجهه؟ ألا يكفيه فِعْل الندى على بتلات الزهر قُبيل الفجر وولادة يومٍ آخر؟ كان على الموت ألا يباغت الشباب النضر فجأة. لئيمٌ وسيظلّ. لا يرأف بالباقين بعده أحياءً. لا يكترث للفجائع وهي تخلخل الروح والفَقد وهو يقضي على الرمق. كشَّر عن أسنانٍ غليظة طابَ لها شابٌ فنَهَشته. لم تقلْ سأتمهّل. لم تشأ العدّ الى العشرة. أسنان الموت غَرَزت في العمق حتى قتلته. قاسية، تركت النبض يتوجَّع. حارقة، رمت القلب في اشتعالٍ لا ينكفئ.


fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard