غازي الوزير...هذه قصتي

28 آذار 2015 | 17:20

المصدر: "النهار"

يتخذ بعض المشردين في الأرض من الليل ظلالاً يخفون فيها مآسيهم، لعلمهم أن الليل يظلل المآسي، لكنه لا يخفيها ولا يلغيها. مشردون آخرون لا يخجلون بتشردهم، فيكشفونه ليلاً نهاراً، يجاهرون به عل محسن يتقدم للمساعدة.

وينضم التشرد إلى التسوّل لتظهر المأساة بحجم لم يعد مقبولاً، ذلك أن قسماً كبيراً من الناس ينضمون إلى هاتين الفئتين، دون ادعاء معرفة الأعداد والنسب، وهنا تقع الكارثة، لأن أحداً لم يهتم بهؤلاء الناس، وتركت قضيتهم جرحاً مفتوحاً من دون حدود ولا قعر.

في مدينة طرابلس، كما في العديد من المناطق، يظهر المتشردون، لكن بعض الحالات تلفت النظر أكثر من غيرها، أحد هؤلاء المتشردين يدعى غازي الوزير ويقبع دائماً الى جوار مدرسة النموذج الرسمية للبنات في شارع الجميزات، انه رجل طاعن في السن، نحيل الجسد، ثيابه رثة، يبدو انه لم يستحم منذ فترة طويلة، فهو مقيم في الشارع صيفاً وشتاءً ليلاً ونهاراً، عزّة نفسه تمنعه في معظم الأحيان من قبول اية مساعدة مادية او عينية.

يقول صاحب فرن على مقربة منه انه في احد ايام الشتاء الباردة أتى أشخاص بغطاء له لكنه رفض اخذه، يرفض شراء علبة سجائر او منقوشة دون ان يدفع ثمنها، ولكن من اين له المال ليدفعه؟

يرد صاحب الفرن:"احيانا يأخذ مالاً من البعض اذا عرض عليه ويعد بردها، فهو مزاجي في هذه المسألة".

ويضيف :"لقد كان في شبابه يعمل في محل لبيع الفول والفلافل مع والده، لكن بعد وفاة والده، ولأسباب لا نعرفها خسر المحل ولجأ الى الشارع، لم يتزوّج، وأشقاؤه في بلاد المهجر لا توجد بينه وبينهم أية علاقة. أحيانا يجيب على أي سؤال وأحيانا يثور ويرفض الكلام. وتراه أحياناً يكتب على ورق او على جدار المدرسة".

اقتربنا منه، سألناه عن اسمه ولماذا يعيش في الشارع، امتنع عن الاجابة بداية، وكثيراً ما يردد "ما بعرف"، الا انه اعترف بإسمه وكنيته (غازي الوزير)، وانه من الميناء. وعند سؤاله عن اشقائه، أشار بيده الى السماء، وكان يردد كلمات غير مفهومة.

سألناه اذا توفر له مأوى أفضل هل يترك الشارع؟ قال "اذا في غرفة". وابتسم مردداً: "خدوني بالسيارة". غادرنا والسؤال يدور في البال: أين وزارة الشؤون الاجتماعية من هذه الحالات، أين الاثرياء؟ أين المؤسسات والجمعيات الانسانية؟

سيدة أخرى متقدمة في السن تتخذ من الرصيف في شارع المعرض ليلاً مقراً تجمع منه المال لتعيش. لا تأبه ببرد الشتاء ولا بحر الصيف، حالها واحدة، فهي تلتف بمعطفها لتقي نفسها من البرد، وتغطي وجهها لتستره من عيون المارة. تمرّ سيارة تتوقف قليلاً وتقدم لها مالاً وسندويشة، تخبئها في صرتها، وتظل إلى ساعة متأخرة قابعة في الشارع. الكل ينام ولا أحد يعرف إلى متى تظل هذه العجوز سهرانة على الطريق واذا ما كانت تخلد الى النوم في مكان يؤويها.

منظر محزن ومخجل في آن، أن يترك الانسان مشرداً لا يأبه أحد بانسانيته، خصوصاً قبل ان تأفل شمس الحياة وينتقل الى عالم آخر.

 

إميل خوري يتذكّر: حين هزّت الكلمة العالم

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard