تيريز التي جعلت اليتم بعيداً

20 آذار 2015 | 18:24

المصدر: "النهار"

بعيداً عمّا ينظم من شعرٍ وما يفيضُ من جمل الحب والوفاء والإخلاص التي تنسج في يوم 21 آذار وتمحى وتنسى بعده مباشرة ليضحي هذا التاريخ حدثاً او مناسبة تمرّ مرة في السنة كغيرها من مناسبات أو أعياد نعيش فرحتها وربما ألمها قبل ان تصبح طي النسيان في انتظار ربيع آخر آتٍ نحتقل فيه بالطريقة نفسها. لكن المختلف هو أن يكون الحدث العالمي هو الوحيد المستمر في حياتك، تعيشه يومياً او في كل لحظة، ليس اختياراً او عشقاً زائداً، لكنك ربما لا تملك غيره.

تبدأ القصة مع تريز التي ولدت في عائلة لها فيها شقيقة واحدة وليس فيها شباب، وكونها الكبيرة لعبت أدوار الشاب والفتاة، لم يوقفها المجتمع القروي التي تربت فيه فعملت مع اهلها في الارض، ولم تقف عند العمل الذي لا يلبي طموحها بل قررت تعليم نفسها وأخذت تتنقل من بلدتها خربة قنفار الى مدينة زحلة لتتعلم السكريتاريا والطباعة على الآلة الكاتبة مع صعوبة انتقال فتاةٍ لوحدها في ظلِ وسائل النقل الشحيحة، لكنها ايضاً نجحت واستطاعت الحصول على "وظيفة دولة". ولأن تعيينها أتى ايضاً بعيداً عن قريتها، ومع ما يحمله ذلك من عذاب اتخذت الخطوة الجريئة في الاستدانة وشراء سيارة، فكانت الاولى او من بين القليلات جداً من الفتيات اللواتي يقدن سيارة في ذلك الزمن في محيطها.

وجدت الفتاة الجريئة والقوية  نفسها بعد زواج شقيقتها أمام والدين بدأ التقدم بالسن والمرض يؤثر عليهما، فجعلتهما اولى اهتماماتها من دون ان تترك وظيفتها، وبعد وفاة والدتها بقي والدها اهتمامها الوحيد فحصرت حياتها بين عملها وبينه، الى ان توفي فاعتقدت ان الحياة الزوجية قد فاتتها لأنها اصبحت بعمر الـ40 ، ولكن الزمن لن يطول وارتبطت سريعاً بابن عمتها الدركي الشاب الذي كان على "قد حاله" لترزق بعدها بولد وحيد.

ورغم وحدتها وعمل زوجها، أصرت تريز على البقاء في العمل، والاهتمام بابنها في سنواته الأولى بما تيسَر مع راهبات المستشفى الذي تعمل فيه، وعند جارة اعتمدتها كوالدة، واغلب الوقت معها في مكتبها حتى اصبح صوت الالة الكاتبة "الداكتيلو" من الاصوات المحفورة في ذهنه لا ينساها مدى عمره.
والمرأة التي انتظرت طويلاً رجلاً يحميها ويكون بقربها لم تطل فترة هنائها معه فقد خطف الموت زوجها بعد 10 سنوات فقط من الزواج بطريقة مفاجئة سريعة، لتعود من جديد وتستلم مسؤولية الاب والام والرجل والمرأة في الوقت عينه مع مسؤولية طفل لا يتجاوز عمره السنوات التسع، فكان هو الهدف والمرتجى. أكملت العمل في النهار والاهتمام بالارض بعد الظهر وتولت أخذ الورش لبساتين التفاح... تهتم بالسماد وتقليم الشجر، تهتم بالري، لتؤمن لابنها كل ما يحتاجه كي يعيش حياة مرفهة.
لم يعرف الولد الذي أصبح شاباً سوى الحياة المرفهة. لم تدعه أمه يوماً يشعر انه فقد والداً فكل ما يطلبه كان يتوفر له، ممنوع العمل حتى في أرزاقه، عليه الاهتمام فقط بدراسته، وقبل الجامعة طبعاً السيارة والهاتف الخليوي والثياب "السينييه" كلها توفرت. لم يسمع يوماً امتعاضاً او سعيًا نحو زواج او ارتباط آخر، لم ير سوى حرصٍ على تأمين حياة مستقبلية مريحة له.

وبعد انتهاء الشاب من دراسته الجامعية، قادته الايام وظروف العمل والحياة وربما انانيته ليترك والدته من جديد وحيدة وينتقل للعيش في المدينة، مع علمه ان والدته لن تترك الأرض التي عاشت وأسست فيها. هنا أيضاً لم تقف تريز في وجه ابنها بل دعمته وساندته، ورغم غصتها من تركه أرضه التي سعت لتثبيته فيها، بادرت الى شراء منزل له وتأمين حاجياته كافة "لأن راتبه من بيروت وتبلعه بيروت".

وحتى بعد بلوغه سن الثلاثين لم يتغيّر شيئ، فابن السنوات التسع الذي تركها هو نفسه، وربما لم يكبر في نظرها، ورغم بعد المسافة فالتفاصيل يجب ان تكون تحت السيطرة من الملبس والمشرب والسهر الذي لا يجب ان يتجاوز منتصف الليل. ورغم تقدمها في العمر تبقى حاضرة دائماً ايضاً في كل التفاصيل... فبعد أن رددت على مسمعه طويلاً بأن "سيارته اصبحت قديمة"، استفاق ابنها صباح عيد مولده ليجد سيارة جديدة مركونة امام البيت... ظروف العمل تتعبه فلنبدأ بمشروع جديد، "بحر من المياه" لمشروع زراعي متقدم تعمل على دراسته مع مهندسين في المنطقة". حتى أن مرضها اصبح مرتبطًا به، فأيام "الويك اند" تتخلى تريز عن الدواء لأن ابنها في المنزل فهي ليست بحاجة له.

ورغم انتقادات الابن لتدخل الوالدة في حياته وخصوصاً لكونه أصبح في مرحلة عمرية تخوّله التصرف باستقلالية شبه مطلقة، فهو يتجاوز هذه الأمور ويعتبر والدته كالهواء الذي يتنفسه ولا يستطيع أن يكمل حياته من دونه. ومن كانت له الأم والأب والأخ والأخت والحياة كلها، لن يتذمر من بقائها في حياته بل ربما تصبح خاوية من أي معنى من دونها...هذا شيء من رسالة وفاء يا أمي.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard