عاشت حياة السيناريو نفسه مرّتين: مأساة تحوّلت فخراً وإيماناً

20 آذار 2015 | 12:44

المصدر: "النهار"

ما مرّت به يصعب على أيوب تحمّله، تلقّت الصفعة تلو الأخرى، رحل جورج ثمّ لحق به هادي بعد ثمانية عشرة سنة، قدرٌ حاولت حياة تغيير مساره من دون أن تفلح بذلك.

عندما تزوّجت حياة عام 1982 لم تكن تعلم أن حبيبها وبطلها سيغيب عنها باكراً، وأن مروحيّته ستسقط في البحر قبالة سواحل جونية، وأنها ستُحرم وابناها من رؤيته مجدّداً. صدمةٌ هزّت كيانها وغيّرت حياتها، قبل أن تأتيها الصفعة الثانية بسقوط مروحيّة بكرها فوق جرود نيحا، فانتزعته السماء من أحضانها وهو في ربيع عمره. لقد عاشت السيناريو نفسه مرّتين، انتظرت جثماناً عزيزاً لتدفنه بيديها وتدفن معه قطعة من قلبها.

زوجة وأمّ شهيد
حياة صدقة هي زوجة الشهيد الرائد الطيّار جورج صدقة الذي استشهد في 16 كانون الثاني 1988. كان في مهمّة تقضي بإحضار الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير (كان بطريرك إنطاكيا وسائر المشرق حينها) من قبرص إلى قاعدة أدما الجويّة، أتمّ مهمّته بنجاح قبل أن ينطلق في مهمّة أخرى لم يكملها، لقد سقطت مروحيّته فوق البحر وبقيت مفقودة 63 يوماً إلى ان عُثر على جثمانه.

يومذاك صرخت حياة بقوّة، وصرخ هادي ابن الخمس سنين وكأنه شعر برحيل والده. صرخة كرّرتها نفسها بعد ثمانية عشرة سنة عندما عندما حملت صورة جورج، ملاكها الحارس، بين يديها راجية إياه أن يرفق بحالها وأن يكون قد حمى ابنها البكر. لكن صوت الشهادة كان أقوى، فأصبحت في 12 أيّار 2006 أمّ الشهيد الملازم الأوّل الطيّار هادي صدقة الذي سقطت مروحيّته وتحطّمت فوق جرود نيحا عندما كان في مهمّة تدريبيّة مع ثلاثة من رفاقه.

تعدّدت الروايات حول سبب وقوع مروحيّة زوجها فيما بقي سبب سقوط مروحيّة ابنها مجهولاً. تقول حياة لـ"النهار": "عندما استشهد جورج كنّا في فترة حرب ولم أعرف حتى الآن سبب وفاته، زاروني أشخاص من أحد الأحزاب المُشاركة في الحرب وقالوا لي إن المروحيّة تعرضت لإطلاق نار ما أدى إلى سقوطها، بينما رواية الجيش تشير إلى أن المروحيّة ارتطمت بجبل وتحطّمت وسقطت فوق البحر. أمّا في ما يتعلّق بحادثة هادي، فلا يزال الغموض يكتنف القضية ولم يُعرف السبب حتى الآن. بالنسبة إلي النتيجة واحدة مهما كان السبب. أنا إنسانة مؤمنة، سامحت من كل السبب، ولا أحقد على أحد. لقد رحلا وأحداً لن يعيدهما إليّ".

قدر لم تستطع التحايل عليه
تحبّ حياة الحديث عن زوجها وابنها وتفتخر بهما، تحزن وتبكي وتشتاق إليهما، ولكنّها لا تجد ما هو أهمّ من سيرتهما. "أحبّ هادي الجيش منذ صغره. حينما استشهد والده كان في سنّ الخامسة. حلم بأن يصبح طيّاراً مثل والده. مع بلوغه سنّ الثامنة عشرة فُتحت الدورة الأولى في المدرسة الحربيّة بعدما توقّفت لأعوام. علمت بالأمر وأخرجته من البلد، لكن شاءت الظروف أن تتأجّل الدورة، وعندما عدنا أعيد فتحها، فدخل وأصبح طيّاراً وكان طليع دورته". إنه القدر الذي لم تستطع حياة التحايل عليه، وشاء أن يصدمها ثانية بعد وقوع الحادثة مع هادي.

تسترجع حياة تفاصيل جمعتها بهادي ما زالت راسخة في ذاكرتها: "كان متعلّقاً بي كثيراً، عندما يفقد الطفل والده تتحوّل محبّة الأب إلى الأمّ، كان يراسلني يومياً من الحربيّة، كان يجلس تحت غطاء السرير ويكتب لي ما حصل معه طوال النهار. أحبّ الحديث عنه وعن والده كثيراً، لكنني أشتاق إليهما وأبكي وأحزن، أحياناً أعاتب الله ولكني أعود وأطلب منه السماح، فهذه مشيئته".

أجمل هداياه في عيد الأمّ
اليوم صغيرها رامي هو الوحيد الذي بقي لها في الحياة، إنه سندها بعد وفاة والدها وزوجها وابنها البكر، عوّض لها الكثير مما حُرمت منه، تفتخر به وتسعد به وله، ولكنّها لا تحبّ عيد الأمّ: "لا أحبّ هذا العيد، أحزن كثيراً خلال هذه الفترة، بنقهر وببكي كتير. توفيت أمي وحماتي، ورحل هادي الذي كان يملأ العيد عليّ ويعيشني في حلم، رامي موجود وأحبّه أكثر من روحي ولكن أحداً لا يأخذ مكان الآخر، ما زلت حتى اليوم أبكي".

كان هادي يحبّ الشعر والكتابة، لقد كتب إلي الرسائل بعدد الأيّام التي قضاها في الحربيّة، رسائل تعيد حياة قراءتها، كيف لا وفيها رائحته؟ وتتابع: "أجمل هدية قدّمها لي كانت وجوده معي وقربي. كان ابني وأخي وصديقي وأبي، عندما استشهد جورج تابعت دراستي، كنا ندرس معاً، ونخضع للامتحانات معاً. عندما استشهد أعدت فتح رسائله التي بلغت عدد الأيام التي قضاها في المدرسة الحربيّة، صرت أدرسها وأتعمّق فيها وأقرأ بين سطورها خوفاً من أن يكون قد قال شيئاً لم أدركه سابقاً، اكتشفت من خلالها مدى فخره بي، وجدت فيها ما تحلم به كلّ أم. كلماته هي أغلى هداياه الباقية".

"كتب لي مرّة في مناسبة عيد الأم شعراً عبّر فيه عن الحزن الذي أغرق عيوني يوم دخل المدرسة الحربيّة تلميذاً ضابطاً، وعن الاشتياق والفخر اللذين ظهرا عليّ يوم عاد إلى البيت بالبزّة العسكريّة وشعرت أن رائحة العسكر عادت تعبق في المنزل من جديد. أخبئ كلّ الهدايا التي قدّمها لي، ولكني أحتفظ بكلماته ووجوده في قلبي. ما زلت أقرأ أشعاره وأكتب له كثيراً".

في حياة زوجة الشهيد وأمّ الشهيد تواصلت فصول الرواية. أعاد القدر كتابتها مرّتين بقساوة. لكن الألم لم يُبعدها عن حبّ الجيش، ولم تتحوّل حرقة قلبها حقداً. لقد تمظهرت إيماناً وفخراً وشرفاً، بمن قدّما نفسيهما قرباناً على مذبح المهنة الأشرف في العالم.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard