باردو تمسح بقع الدم عن وجهها

20 آذار 2015 | 10:53

تونس الخضراء مصطبغة بالسواد. لفّت حول عنقها الوشاح الأسود بعدما استهدفها الإرهاب الأعمى. لا يحمل "متحف باردو" الذي اقتحمه إرهابيّان لذرّ الحقد والدم والتخلّف في أرجائه إسم الممثلة الفرنسية بريجيت باردو التي لم تغادر إلى اليوم مخيلة المشاهدين من حول العالم، رغم الإعتزال المبكر. عرف المتحف بإسم مدينة باردو، حيث يقوم، على بعد كيلومترات غرب العاصمة تونس. لكن المكان المرصود للثقافة بهيّ هو الآخر، بهاء مجموعة فسيفساء من بين الأكثر غنى في العالم والتي يحتضنها.

منذ أُهرقت الدماء في قاعات متحف يعلوه النور، لم تبلغ درجة الإستهجان المرتجى. لم تتدفق الحشود إلى الشوارع ولم نسمع صخبا. إقتصرت ردود الفعل على بعض المتطوّعين الذين هرعوا إلى المكان حاملين الشموع واللافتات ومُبدين تضامنهم ومتسلحين بغصّتهم. ظلّت ردود الفعل على الإعتداء الإرهابي خافتة بل وشبه نخبويّة. على ما يبدو، لا يسع جريمة تقترف في فسحة محايدة تنتمي إلى الثقافة حصرا أن تتحول إلى ظاهرة شعبية في عالمنا العربي، لأن صلتنا بمكان مماثل في الأساس، ملتبسة. ما يجمع السواد الأعظم منا بالمتاحف علاقة جبريّة حيث الكثير من النأي بالنفس والكثير الكثير من اللا اكتراث.
المتاحف في منظورنا بيئة غريبة حيث لا قدسيّة ولا مجال للورع أو لاستدعاء التعاطف. لا شكّ في ان الثقافة في عالمنا العربي راهنا في حال تكلّس، ولم يعد يسترعي الاهتمام سوى التهريج والاستعراض. لكن الإستعراض الدموي التونسي في فسحة ثقافية - على ما يبدو- أقلّ من أن يجعلنا نهتمّ. ليس المتحف في عرفنا فسحة للتفاعل الإنساني والإجتماعي، هو بناء فقط، مجموعة قاعات على برودة حيث لا حياة بل وشبه موت. ولكأن تحوّل الناس في كنفه خلال دقائق إلى جثث، إلى أجساد بلا روح، مسألة عادية.

عادية الشرّ هي التي تحدّثت عنها مرة المنظّرة الألمانية حنّة أرندت، وشرّ التعوّد نضيف ونحن ننظر من حولنا.
قد يقول قائل ان الاعتداءات لم تعد حالة نادرة في يومياتنا، ذلك اننا غارقون في العنف من الرأس إلى أخمص القدمين، وان العنف ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا. لم يكن العنف مرة هامشيا لكنه لطالما اعتبر ويا للمفارقة ظاهرة هامشية.

حين أنجزت حنّة أرندت بحثها "في العُنف" المنقول الى العربية لدى "دار الساقي" أخيرا (عرّبه ابراهيم العريس)، شَخّصت عنفا لعب دورا عظيما في التاريخ والسياسة لكنه نادرا ما كان موضع تحليل أو دراسة خاصة.

تكتب أرندت ان القرن العشرين وكما توقع لينين صار قرن الحروب والثورات، ونحن نتعايش مع القرن الحادي والعشرين بترقّب يشوبه القلق بسبب تحوله إلى قرن الصراعات الدينية بل والمذهبية والتطرّف. والحال ان بدايته لم تكذّّب هذه الحقيقة مع حصول اعتداءات الحادي عشر من أيلول، في نيويورك، في 2001.

باردو الحزينة تمسح بقع الدم عن وجهها والعالم العربي المذهول من الشرّ الكامن فيه، يترقّب الأسوأ.

 

roula.rached@annahar.com.lb

Twitter: @Roula_Rached77

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard