مستويان في "14 آذار"... وتنازلات "ام الصبي"

10 آذار 2015 | 21:02

المصدر: "النهار"

لم ينتظر أنصار شعار الحرية والسيادة والاستقلال عام 2005 أوامر من قائد او رئيس حزب للزحف نحو ساحة الشهداء والمطالبة بطرد الاحتلال السوري والعبور إلى الدولة. أين هم أصحاب "ثورة الأرز" اليوم، وهل لا يزالون مؤمنين بـ "14 آذار"، أم بات هناك من يفرّق بين سياسيّي هذه القوى وجمهورها؟


المستوى الأول والثاني
يرى الباحث والكاتب السياسي المقيم في باريس زياد ماجد أن "لبنان يحتاج اليوم، كما منذ أعوام، الى مستويين من العمل السياسي: مستوى جبهوي موسّع يجمع كل القوى الحريصة على السلم الأهلي في لبنان المعارضة للسلاح خارج الدولة والانخراط في الصراعات العسكرية الإقليمية، والحريصة على احترام المؤسسات الدستورية والمبادئ الجمهورية. وثانٍ غير جبهوي، يعتمد الثوابت الجبهوية المذكورة بوصفها ثوابت وطنية عامة، وإنما يهدف في عمله الى إطلاق المبادرات والمشاريع الإصلاحية التي تتخطّى الآنيّ وتتعامل مع النظام اللبناني بوصفه نظاماً مريضاً".
وبناء على ذلك يعتبر أن "المنخرطين في المستوى الثاني سيكونون على قدر من الانسجام الفكري والسياسي، وبعض مشاريعهم قد لا تعني القوى الكبرى أو الصغرى المجتمعة ضمن المستوى الأول (الجبهوي - الوطني)، لا بل قد تتعارض كليًّا أو جزئيًّا معها (في ما خصّ المسألة الطائفية مثلاً، قانون الانتخاب، الاقتصاد ومفهوم العدالة الاجتماعية، اللامركزية الإدارية، استقلالية القضاء، قوانين الأحوال الشخصية، حقوق المرأة، العنصرية، حقوق العمّال الأجانب، عمل الأجهزة الأمنية، قضايا الحرّيات العامة والخاصة، أو قضية البيئة، إلخ"...).
كل هذا يدفع ماجد إلى القول إن "الأسئلة المطروحة حول 14 آذار اليوم لم تعد مُجدية إلا إن تحدّثنا عن المستوى الأول. أما المستوى الثاني، فيتطلّب عملاً من نوع آخر، لا أظنّه مطروحاً، ولا أظنّ أصلاً أن مشاريع إصلاحية جذرية في بعض العناوين التي ذكرت سريعاً آنفاً تناسب أيّاً من القوى السياسية اللبنانية الكبرى، أكانت من 14 آذار أو من 8 آذار".


تنازل الزعماء
حجم العتب على زعماء أحزاب "14 آذار" كبير، وينطبق عليه القول "العتب على حجم المحبة"، إذ ترى أستاذة العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية منى فياض التي تعتبر أنها مع روح "14 آذار"، أنه "لولا موافقة رموز هذه القوى على تأجيل الانتخابات النيابية لما وصلنا إلى الفراغ الرئاسي، وكان واضحاً التواطؤ لأنه لم يكن هناك أي مانع من إجرائها".
"الحرية والسيادة... من الشعارات التي يرفعها زعماء "14 آذار"، لكنهم أحياناً كثيرة يتنازلون عنها" تقول فياض متسائلة: "أي سيادة او استقلال عندما نخضع لطرف أقوى من الدولة وتابع لجهات إقليمية؟". وترتبط تنازلات الأحزاب بـ"المحاصصات والنظام الطائفي في البلد وكيفية توزيع السلطة".
وتعتبر أن "رموز 14 آذار قيادات سياسية تقليدية، من نمط الحكام الذين ثار عليهم الجمهور العربي. هناك يوجد مرجع واحد مستبد او نصف مستبد، اما هنا فلدينا مراجع عدة مستبدة ومقسمة إلى طوائف، وهذه الخطة تترسخ أكثر عن طريق الممارسة لأنها تناسب رموز هذه القوى ومصالحهم الشخصية". وتعطي المثال بالتنازل عن أمور تتعلّق بمصير بلد، مقابل تمرير سياسات تتعلق بالوزارات، لتتحوّل المعادلة التي تعانيها "14 آذار": "الأول يتنازل عن السيادة والاستقلال، والثاني يتنازل من حصة المحاصصة".


"14 آذار" أم الصبي
أمين سرّ حركة اليسار الديموقراطي الدكتور وليد فخر الدين في تقييمه، يؤكّد أن "نجم 14 آذار لم يتراجع، لكن هذه القوى تعاني عدم التصاق القيادة السياسية التي تم اختزالها بـثلاثة أحزاب (المستقبل والقوات والكتائب) بجمهور 14 آذار العريض، المبني على ثوابت الحياة الاستقلالية اللبنانية".
لا يخفي فخر الدين الأخطاء والتنازلات التي شهدتها مسيرة "14 آذار" منذ عام 2005 "على قاعدة انها "ام الصبي" (صاحبة مشروع الدولة اللبنانية)، خصوصاً أمام الهجمة المسلحة التي يشنّها الفريق الآخر"، مشدداً على أن "الإخفاقات كانت من قوى سياسية في "14 آذار" وليس من وجدانها"، ويذكّر بأن "14 آذار هي اللحظة التي خرج فيها كل لبناني من تقوقعه الطائفي او المناطقي او الاجتماعي او الحزبي ودخل في حالة وطنية، وفي كل لحظة نعود فيها إلى طوائفنا وأحزابنا، تكون 14 آذار ليست بخير، وعندما نقوم بمساحة وطنية عابرة للطوائف تقترب 14 آذار من جمهورها". ويخلص إلى أن "أزمة 14 آذار هي ان بعض القوى السياسية فيها، في لحظة ما، علت لديهم المصلحة الفئوية على المصلحة اللبنانية".


"14 آذار" بخير
المدير العام لإذاعة الشرق كمال ريشا أكثر تفاؤلاً وحماسة، فهو لا يرى أيّ تراجع في قوى "14 آذار"، ويقسمها بين "شعبية وسياسية". ويقول: "الحالة الشعبية أتت وليدة لحظة سياسية كانت ردّة فعل على مظاهرة 8 آذار، وتعبيراً عن تنفيس الاحتقان في وجه السوري، ولا يغيب عن بالنا أنه سقط 12 شهيداً من كبار هذه الحركة الاستقلالية، وحينها لم يكن أمام رموز "14 آذار" القدرة على المبادرة، فما كان ينتهي دفن أحد الرموز، حتى يستشهد آخر".
لا يرى ريشا أيّ تنازلات أضرّت بثوابت "14 آذار"، بل كانت "لصالح الدولة والمؤسسات والسلم الاهلي"، متسائلاً: "ماذا كان يمكن لـ" 14 آذار" ان تفعل، أمام فريق في البلد، مشروعه أكبر من لبنان وغير مستعد للتلاقي معنا، هل نذهب إلى حرب أهلية؟"، لهذا يعتبر أنه "علينا ان نسير بالتنازل حتى يقتنع هذا الفريق بوجوب قيام دولة"، ويتابع: "نزلوا الى الشارع وتمركزوا سنة ونصف السنة فهل كان علينا ان نجلس مقابلهم؟"
رغم ذلك، لا يخفي ريشا انه في فترة ما خصوصاً بعد انتخابات العام 2005، "لم يكن على 14 آذار أن تبادر نحو "8 آذار"، مثلاً بعد الانتخابات قدمنا لهم مشاركة في السلطة مجانية، ربما كان لا بد من الحصول على شيء مقابل المشاركة، لكن في الوقت نفسه، لا يمكن لحسن النية أن تقابل من الفريق الآخر بسوء نية".
في ملف الرئاسة يؤكد ان "14 آذار تقوم بدورها على أكمل وجه"، متسائلاً: "هل نذهب ونحضر نواب (النائب العماد ميشال) عون وحزب الله بالقوة إلى المجلس؟ نواب 14 آذار يؤدّون دورهم ويشاركون". أما عن سلاح "حزب الله" فقال: "انهم يقاتلون في سوريا ويعترفون بذلك. ودعا السيد نصر الله الناس الى مقاتلته هناك، ويعني اما يجب ان نقاتله هناك او في لبنان او أن نقاتل إلى جانبه وهذه الخيارات غير متوافرة ابداً في 14 آذار".
عتب كثيرون على المشاركة في الحكومة بجانب "حزب الله"، وهنا يقول ريشا: "تخيّلوا البلد بلا حكومة وبلا رئيس... ماذا عن مصالح الناس التي تحتاج إلى توقيع وزير؟".


المجلس الوطني
اليوم يستعدّ أنصار هذه القوى لولادة المجلس الوطني لـ"14 آذار"، فأتت المواقف على الشكل الآتي:
ريشا: انها فكرة حساسة وأساسية لتطوير العمل في "14 آذار" وتزخيم علاقتها بالناس، وسحب البساط من  أحزاب هذه القوى التي صادرت عملياً الحركة الشعبية. المجلس الوطني يفتح الدور ليكون المستقلون شركاء.
فياض: "تأخّر الوقت لهذه الفكرة، فالتوقيت له أهمية كبيرة، وقد فقد وظيفته، وفي رأيي ان شعارات 14 آذار أكبر بكثير من ممارسات الطبقة السياسية، وعلى هذه القوى ألا تخاف وأن تقول لا... لا اعتقد ان المجلس سيغيّر في أيّ شيء...علينا ان نرى شعاراته أولاً".
فخر الدين: إنه محاولة كي نجمع مجموعة من كوادر 14 آذار وقادة الرأي، حيث عليهم خلع عباءتهم الحزبية لدخول مساحة وطنية مشتركة، وتقييم المجلس متروك للزمن، فإطلاقه يعني أن القيادات السياسية وافقت على وضع ضابط لحركتهم السياسية، لأن وجود المجلس الوطني يعني أن هناك من سيقول "نعم ولا"، ويأتي أقلّه بمساحة وطنية مشتركة تقوي إمكانية محاربة الآخر.


mohammad.nimer@annahar.com.lb
Twitter: @mohamad_nimer

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard