موت مليون فضل شاكر لا يعيد جورج إلى عائلته!

10 آذار 2015 | 17:14

المصدر: "النهار"

بكامل قواه العقليّة، تخلّى فضل شاكر عن لقب "ملك الرومانسيّة" وتبع أحمد الأسير. ترك الغناء والسهر واعتنق التطرّف. رمى عوده وحمل السلاح. شتم الجيش اللبناني والأجهزة الأمنيّة وأثار النعرات الطائفيّة. جاهر علناً بقتل "فطيستين" من الجيش اللبناني وتمنّى أن يزيد عددهم.

في الثالث والعشرين من حزيران 2013 اندلعت أحداث عبرا التي خُطّط لها على مدى أشهر، وخسر فيها الجيش 18 عنصراً من خيرة ضباطه وجنوده، وهرب على أثرها الأسير وشاكر متنكّرَين بأزياء نسائيّة بعدما بسط فوج المغاوير سيطرته على مربّع الأسير. بعد أقل من سنتين على اختبائه في مخيم عين الحلوة، اشتاق شاكر للعودة إلى الحياة حينما ملّ السكن والتجوّل ضمن أمتار معدودة في حي التعمير. لربّما أجبر على تبييض صورته حفاظاً على ماء الوجه، بعدما اكتملت التسوية التي سيخرج بموجبها من المخيم ليمثل أمام القضاء العسكري، فيُسجن لفترة ويعود إلى حياته الطبيعيّة وربّما إلى الغناء، وكأن شيئاً لم يكن.

توهّم أنه بحلق ذقنه، وتعديل خطابه، وخفض صوته وتلاوته فعل الندامة، سينسى أهالي شهداء الجيش مراراتهم وحرقة قلبهم. ظنّ أن تلك الوالدة لن تعانق صورة ابنها بعد اليوم، وأن تلك الأرملة ستُكوى جراحها ولن تشمّ مجدّداً رائحة ثياب حبيب غاب باكراً، وأن تلك الفتاة لن تبكي يوم عرسها عندما تمشي وحيدة نحو عريسها، وأن ذاك الصبي الذي شبّ باكراً لن يحتاج إلى سند يتّكئ عليه لينطلق في الحياة.

مليون شاكر لا يساوون حذاء جندي لبناني
"عند استشهاد جورج لم أطلب شيئاً من أحد، ولم أنتظر أن يأخذوا حقّه، كنت أدرك أنهم لن يقوموا بشيء البتة"، تقول كلود بو صعب (زوجة الشهيد المغوار جورج بو صعب) هذه الكلمات بعد تصريحات شاكر الأخيرة وإعلان توبته ونفيه المشاركة في معركة عبرا، وتضيف في حديثها لـ"النهار": "سواء خرج شاكر من المخيم أم لم يخرج، وسواء سجن أم لم يسجن، وسواء أعدم أو قتل، لن تتغيّر حياتنا، لن يعود جورج إلينا. قد يحاكمونه ويعلنون براءته أو يثبتون ذنوبه، لكن شيئاً لن يمحي واقعة وقوفه بإرادته جنب الأسير وشتم الجيش".

تبكي كوكي، كما كان يحلو لجورج مناداتها، بحرقة. الغصّة تخنق صوتها عند الحديث عن حبيبها الغائب. واللوعة تحرق قلبها متسائلة: "لماذا لم يُقبَض عليه عندما اعتصم في ساحة الشهداء، وذهب إلى عرسال ودعم قتلة الجيش، وكال الشتائم لعناصره وحرّض ضده؟ لماذا انتظروا وقوع المعركة وسقوط مزيد من الشهداء؟ كان جورج يتوقّع حدوث شيء كبير بعدما ذهب الأسير إلى عرسال، كان يريد أن يحدث ذلك الشيء لينتقم لرفاقه في عرسال ونهر البارد والضنية، لطالما ردّد أن أحداً لا يعيد اعتبار شهداء الجيش سوى رفاقهم. موت الأسير أو شاكر والملايين من أمثالهما لن يعيد جورج، ولا هم أصلاً بقيمته أو مستواه".

عدالة الله لن ترحمهم!
عندما كان شاكر يغني ويرقص ويمرح، كان جورج يحارب في صفوف المؤسّسة العسكريّة التي عاش فيها 26 سنة. لم يترك معركة إلّا وشارك فيها ليستردّ حقّ رفاقه ويحافظ على علم بلاده ويذود عن وطنه، كان يتمنّى الموت شهيداً. وتتابع رفيقة دربه: "الله كبير، لا أؤمن بعدالة الأرض، كل زعيم وسياسي يفصّل العدالة على قياسه، فيكون الجيش فيها كبش المحرقة. العدالة الحقيقيّة موجودة عند الربّ، ومن نجا من جورج في عبرا لن ترحمه عدالة السماء".

عندما علمت كلود بالمقابلة، تذكّرت يوم كان المغوار الشهيد يسمع شتائم الأسير وشاكر بحقّ الجيش اللبناني. "كان يجنّ لما يدقّوا بالجيش. بكى كثيراً على رفاقه الذين استشهدوا في الضنية والبارد وعرسال. في تلك اللحظة تخيّلتُ كيف يكون إحساسه. سيعيدون سيناريو الألفين، قد يسجن شاكر ويهرب أو يفرج عنه، وسينبت المئات مثله ليرتكبوا عبرا ثانية ويستشهد جورج آخر".

يتامى الأب يناجون صوره
أونيل (14 سنة)، ديفيد (13 سنة)، أوين (8 سنوات) وأليكسا (سنتان)، تغيّرت حياتهم، انقلبت رأساً على عقب. مع من ستلتقط أوين الصور لتزيّن جدران غرفتها؟ ومن سيرافق ديفيد إلى صفوف الكونغ فو؟ ومن سيجالس أونيل وينصحها ويحضنها؟ وماذا ستقول أليكسا عندما تكبر هي التي لم تتعرّف إليه، لقد رحل قبل أن تبلغ السنة؟ خرج جورج في ذلك السبت باكراً، قبّلهم وهم نائمون، حضن كلود وقبّلها، أوصاها بأن تنتبه إلى الأولاد، وذهب ولم يعد. تحدّث إليها للمرّة الأخيرة يوم الأحد المشؤوم عند الظهيرة، وعدها بأن يتصل بها بعد الغداء ولكن الواجب ناداه، ولم تسمع صوته مجدّداً. رصاصة واحدة أنهت حياته، نزف كثيراً قبل أن يغمض عينيه.

تقول زوجته: "يتذكّرون كلامه، والأماكن التي كانوا يزورونها معه، يتمنّون لو أنه معهم. تأثّروا كثيراً برحيله المفاجئ. أوين التي لم تكن تفارقه تقاصص نفسها على رحيله. ديفيد يشتاق إليه ويرغب في أن يصبح ضابطاً مثله. لطالما تحدّث جورج عن مستقبل أولاده وكيف ستكون حياتهم، كان يرسم في ذهنه صورة الشاب الذي سيتقدّم لابنته، كان ينصحهم ويستبق بعض الأحاديث، كان يريد أن يعيش مراحل كثيرة معهم قبل وقتها، كان يصلّي ليراهم وهم يكبرون، ربّما كان لديه إحساس بأنه سيتركهم باكراً. ما يحزّ في نفسي أن المنزل مليء بصوره، فكيف بإنسان تنبض به الحياة أن يصبح صورة معلّقة على الحائط؟".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard