"بلا لفّ ودوران"... أين القانون المدني للاحوال الشخصية؟

28 شباط 2015 | 12:39

المصدر: "النهار"

(الصورة عن الانترنت).

من الاخر، المطلوب في كل "عاصفة" الزواج المدني اقرار قانون واحد للاحول الشخصية. عندها، يصبح اللبناني خاضعا لقانون واحد ينظم مدنيا احواله الشخصية، فلا يعد خاضعا لطائفة من هنا او لمذهب من هناك. وعلى الرغم من ان سبعة عقود زواج مدني سبق ان سجلّت في لبنان، استنادا الى رأي الهيئة الاستشارية العليا في وزارة العدل، الا ان القضية تتخطى احقية تسجيل عقود الزواج او لا، لان الموضوع اعمق من معضلة تسجيل واكبر من توقيع وزير. وربما فان وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق يعي جيدا هذا الامر، حين قرّر طرح موضوع عقد الزواج المدني في لبنان وتسجيله في وزارة الداخلية، على مجلس الوزراء، لاتخاذ القرار المناسب، عازيا السبب الى " غياب اي نص قانوني مدني نافذ يرعى احكام هذا الزواج".

وربما كان متوقعا "اللا قرار" الذي صدر عن الحكومة. اما اذا تخطينا جلسة الحكومة ومشكلة تسجيل عقود الزواج، فلا يجوز تضييع البوصلة حين ندرك ان الحل موجود في ادراج مجلس النواب عبر اقتراح قانون "نائم" منذ اعوام. لا من يحرّكه ولا حتى من يتكلّم عنه، كما لو ان القضية هي في تسجيل عقد وليس في توافر ارضية قانونية ملائمة، لان ببساطة اي دولة مدنية لا يمكن ان يبدأ بناؤها الا بقانون مدني للاحوال الشخصية، حتى لا تبقى القضية مجرد مزايدة من زعيم سياسي في لحظة اراد ان يصوّر نفسه على انه "ملك" الغاء الطائفية السياسية. اقتراح القانون هذا اعدّه النائب مروان فارس، وادرج على جدول اعمال اللجان المشتركة. كان ذلك في عام 2011. بالطبع، لم يقر الاقتراح ولم يدرس، وبقي يؤجل، حتى طارت الجلسات ودخل المجلس حينها في جمود.

كان ثمة قرار متخذ سلفا ان المجلس لن يدوّن في سجله اقرار هذا الاقتراح، وسط الفراغ الحكومي الذي كان سائدا. بعدها، كرت سبحة التعطيل، وان عاد المجلس، ولو خجولا، الى عقد جلسات، الا ان اقتراح القانون المدني كان قد " فقد" عن جدول الاعمال. يومها، جال فارس على عدد من رؤساء الكتل النيابية لحصد اكبر دعم لاقتراح القانون، الا ان الحملة لم تؤد الى نتيجة. في هذا الوقت، كانت الكثير من التحركات "تغزو" شوارعنا تحت عنوان: "الشعب يريد اسقاط النظام الطائفي في لبنان"، الا انها لم تغدو كونها "تحركات اعلامية" سرعان ما خفتت، من دون تحقيق اي هدف. وفق فارس فان "مشوار اقتراح القانون يحتاج الى جهد وتعاون سياسي ومدني". يتضمن اقتراح فارس 238 مادة، وهو لا يشمل فقط الزواج المدني انما ايضا حضانة الاطفال والابوة والتبني والوصاية واستحقاق الارث والوصية. يعدّد الاقتراح 11 سببا موجبا، اهمها "حماية حق الشباب في زواجهم المدني برعاية القانون اللبناني، بدل عقد الزواج في الخارج لتعترف به لاحقا الدولة اللبنانية، اي كمن يضحك على نفسه". والسبب الثاني "استكمال الدولة تشريعا ناقصا وضع عام 1936"، اذ ثمة حق اقرّ واعطي عام 1936 بأن يتزوج اللبنانيون وفق قانون مدني معترف به رسميا، لكنه اضطر حينها الى اقرار هذا الحق مع اشتراط عقده خارج لبنان، وبالتالي ليس المطلوب اليوم سوى استكمال هذا التشريع الناقص. وابرز سبب في الاقتراح هو ان " على لبنان ان يحسم صيغة محترمة من داخله للاحوال الشخصية"، ويعدّد الاقتراح ايضا "اسبابا اجتماعية"، اذ "لا يجوز لأي قانون ان يؤسس للتمييز بين الزوجين، بتكريس عدم التوازن بينهما في الحقوق والواجبات وبإعلاء شأن احدهم على الآخر، كما ان كل الاتفاقات الدولية نصت على القضاء على التمييز ضد المرأة، ولبنان ملزم تطبيق هذه الاتفاقات". والمعلوم ان فكرة اعداد اقتراح قانون مدني بدأت في 24 نيسان 1998، حين عقد "اللقاء الوطني من اجل قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية" لقاء وانطلق من مشاريع سابقة لـ"الحزب الديموقراطي" عام 1971 ثم في صيغة له معدّلة عام 1995، وثانية لـ"الحزب العلماني الديموقراطي" عام 1981، وثالثة للحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1997، والرابعة اعدّت بطلب من رئيس الجمهورية الراحل الياس الهراوي عام 1998. حينها، ناقشت هذه المشاريع مجموعة من الحقوقيين، وانبثقت عنهم لجنة حقوقية مصغرة اوكل اليها صياغة مشروع مشترك باسم "اللقاء الوطني"، ووضعت الصياغة النهائية، وقدّمتها جمعية "شمل" الى مجلس النواب. اما على صعيد الحكومة، فالجميع يتذكرون ان ثمة مشروع قانون سبق ان وافقت عليه الحكومة في عهد الهراوي بأكثرية 21 صوتا من 30.

كانت المعادلة دائما كالاتي: رؤساء جمهورية مع، رؤساء حكومة ضد (فقط الرئيس سعد الحريري لم يعلن رفضه)، ورجال دين يعارضون، لا بل في بعض الاحيان يعلنون "فتاوى" غريبة، كما فعل مفتي الجمهورية السابق الشيخ محمد رشيد قباني حين قال مطلع الـ2013: " كل من يوافق من المسؤولين المسلمين على تشريع الزواج المدني، هو مرتد وخارج عن الاسلام، ولا يغسل او يكفن ولا يصلّى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين(...)". هذا في التصريحات. اما في الواقع، فثمة مشروع قانون موجود لدى الامانة العامة لمجلس الوزراء، الى جانب اقتراح القانون "النائم" في البرلمان. ولئلا تتحوّل قضية الزواج المدني عن وجهها الصحيح، ولئلا تغيب المطالبة باقرار قانون مدني، لا بد من العودة الى اصل المشكلة، عبر اقرار قانون موجود في البرلمان او الحكومة، والمطلوب ان يتحملّ الوزراء والنواب مسؤولياتهم، فيبرهنون انهم رجال علمانيون لا مجرد افراد في طوائفهم!

manal.chaaya@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard