أندره زفياغينتسف لـ"النهار": السينما وطني لكن دمي روسيّ!

24 شباط 2015 | 16:55

المصدر: "النهار"

"ليفياثان" للمخرج الروسي أندره زفياغينتسف فيلم يتخذ من الاستعارة أسلوباً له ليتطرق الى روسيا اليوم، همومها وآمالها. بعد عرضه الأول في مسابقة مهرجان كانّ الأخير حيث نال جائزة السيناريو، لفّ على مجموعة كبيرة من المهرجانات، دائماً حاصداً الجوائز، وكان من أقوى المرشحين في حفل توزيع جوائز الـ"أوسكار" الـ87 ــ فئة أفضل فيلم أجنبي ــ بيد أن المصوّتين فضّلوا عليه الفيلم البولوني "ايدا" لبافيل بافليكوفسكي. في الآتي، حوار مع السينمائي "المختلف".

* لا نعرف الكثير عنك. نعلم انك مثلتَ قبل التوجه الى الاخراج ولم تدرس السينما يوماً. كيف تعلمتَ صناعة الأفلام؟

- أتدرك أنني لم ألتحق بمعهد سينما عندما تشاهد أفلامي، أم انك قرأت هذه المعلومة في مكان ما؟ (ضحك).

* إطلاقاً، أفلامك على قدرٍ عالٍ من الاحترافية...

- أؤمن فعلاً - ولستُ الوحيد في هذا الايمان - أن كل الممثلين قادرون على أن يكونوا مخرجين جيدين، لأنهم يعرفون بعمق ما يحتاج اليه الممثل. إدارة الممثل هي من أبرز عناصر السينما التي أصنعها. كيف يتفاعل الممثل مع ما يحيط به، هذا من أساسيات عملي كمخرج. أنا كممثل سابق أعرف ما يحتاج اليه الممثل كي يتسلل الى داخل شخصيته فتصبح جزءاً منه. كثر من الممثلين يعملون مع مخرجين لا يملكون ادنى خبرة في ادارة الممثل، فنرى النتيجة الباهتة على الشاشة. تصبح العلاقة بينهما متأزمة لأن الممثل يشعر بأن المخرج لا يعرف من أين تنبعث الانفعالات وكيف يتصل الممثل بشخصيته. هناك حالة كيمياء تكون مفقودة بينهما. طبعاً، هذا يساعد وليس الشرط الوحيد لصناعة فيلم جيد.

* أخبرني، كيف يشق الفيلم عادة طريقه الى مخيلتك؟

ـــ لا أستطيع الا أن أحكي عن تجربتي الخاصة ومن أين تنبثق الأفكار في رأسي. بدايةً، أقرأ النصّ الذي أريد أفلمته. عادةً، أحتفظ به في ذاكرتي، في مكان ما داخل ضميري. عندما أفهم أن الحكاية ضرورية لي وأنني هضمتها كلياً، أنساها وانتقل الى شيء آخر. عندئذٍ، تتحرك القصة في داخلي على المستوى الروحي. ليس في رأسي فحسب بل في روحي وقلبي. مع الوقت، تنبثق الصور الذهنية من مكان ما وتصبح مرئية. هناك صور بصرية وصور انفعالية، وتدخل بعضها في اتصال مع بعضها الآخر. فجأة، أشعر انه آن الآوان كي أفسح المجال أمام الفيلم لينتقل من الخيال الى التجسيد، وهنا تدخل مرحلة التقنيات الى الخط.

* أفلامك الثلاثة الاولى تؤكد أنك لا تبحث بالضرورة عن خط ابتكاري جديد في السينما الروسية، إنما تسعى الى التماهي مع واقعية معينة. لا أعرف اذا كانت هذه النظرة على سينماك صائبة...

- أعتقد أنني أنتمي الى السينما الكلاسيكية حيث تجتمع كل مكوّنات هذا الفنّ الطليعي، حيث الشكل يستوعب الزمن والحركة والمساحة. أفضّل البنية التقليدية للصيغة الدرامية، أيّ الحكاية التي تبدأ من هنا وتنتهي هناك. لا أحبّذ اللفّ والدوران ولا الـ"فلاشباكات"، أميل الى الاستمرارية بلا أيّ عنصر يتدخل لقطع النبرة. هذا أسلوبي في العمل. في "يلينا"، وصلتُ الى ذروة هذا الشكل الفني الذي اعتبره نموذجياً لي. لا نستطيع أن نقول عن أفلامي إنها واقعية مئة في المئة، أفضل تسمية "الواقعية الشعرية".

* بدأتَ في السينما وأنتَ في الأربعين، بمَ كنتَ منشغلاً في حياتك قبل ذلك؟

- لم يتسنَّ لي اختيار اللحظة التي انطلقتُ فيها. خلال الحقبة السوفياتية، لم يكن مسموحاً للمخرج بالعمل في السينما اذا لم يكن يحمل شهادة في الإخراج. اليوم، من الممكن أن تصنع فيلماً وأنت لا تملك الكثير، لا في مجال المعدات ولا المال. سابقاً، كانت السينما صناعة تتطلب ترسانة، كان الأمر أشبه بالذهاب الى حرب! حتى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، ظللنا لفترة طويلة نعيش كما لو كنا في النظام القديم. لم تُمنح فرصة لشخص غير متخرج في معهد السينما. كنت من ضحايا هذا النمط من التفكير. عام 1990، عندما تخرجتُ في معهد التمثيل في سيبيريا، التحقتُ بالجيش لسنتين، ثم مارست التمثيل ثلاث سنوات وكنت دائم ااقتناع انني سأكمل في التمثيل لبقية حياتي. عثرتُ على ذاتي في ذات الآخرين. التسعينات اتسمت بالفوضى على الأصعدة كافة، كل شيء كان يتحول في محيطنا. الجميع وجد نفسه بين ليلة وضحاها في مهن تتناقض مع ما كانوا يمارسونه من قبل. أمّا أنا، فوجدتُ نفسي فجأة أقف خلف الكاميرا، أصوّر الدعايات لمنتوجات تجارية. هكذا بدأ كلّ شيء، على غفلة من الزمن. بعد فترة أمضيتها في الاعلانات، لفت عملي أحد المنتجين فاقترح عليّ العمل في التلفزيون. انجزتُ مسلسلاً من ثلاث حلقات، فبدأتُ أدنو شيئاً فشيئاً من السينما. كنتُ آنذاك في السادسة والثلاثين.

* هل تعتبر نفسك وارث السينما الروسية أم ابنها المتمرد؟

- كثيراً ما يُطرح عليّ هذا السؤال. يحب الناس معرفة اذا كانت سينماي روسية أو أوروبية بهدف تأطيرها. أنجز أفلاماً أوروبية أكثر منها روسية. صحيح انني أنتمي الى بلاد حدودها واضحة وملامحها مقطعة، لكن وطني الحقيقي هو السينما وكلّ هؤلاء السينمائيين الكبار من برغمان الى كاسافيتس فبروسون وأنطونيوني وكوروساوا الذين صاغوا ذائقتي البصرية وأشعر انني ابنهم، مع ان الدمّ الذي يجري في عروقي دم روسيّ.

أندره زفياغينتسف في كانّ.

* ماذا عن الجيل الجديد من السينمائيين الروس؟ هل تنسجم مع ايّ منهم؟ هل هناك شلة؟

- لا أرى أي رغبة أو محاولة لتوحيد الصف. الثقافة الروسية ميّالة الى المنافسة. عقليتنا لا تؤمن بأن لملمة الجهود تنتج عملاً ما. الناس لا يجتمعون لإنجاز مشروع ما، والدولة عبر مؤسساتها غير مكترثة ولا تقدم المعونات الضرورية. الشروط التي تضعها الدولة لتمويل الأفلام قاسية في بعض الأحيان. وضع المخرج في ظلّ عدم توافر الدعم يزداد صعوبة. هناك جانب اداري لا أعتقد انه يعود الينا، نحن السينمائيين، اتمامه. بصراحة، هذا ليس شأن الفنان. انها لمهمة مملة ومرعبة تتناقض في الكثير من الأحيان مع هدف الفنّ نفسه. على المنتجين أن يناضلوا من أجل دعم السينمائيين وفرض مطالبهم على الدولة.

"ليفياثان" الخاسر الأكبر في "أوسكار" 2015.

* في الأفلام الروسية الحديثة، هناك دائماً قطبة خفيّة. ثمة تفاوت في المعنى أحياناً بين ما نراه في الفيلم وما يقصده المخرج في نهاية الأمر...

- أنبذ الخطاب المباشر في الأفلام. من الغباء أن تقول للمُشاهد "هكذا هي الحقيقة، ولا يمكن أن تكون الا هكذا". ليس من حقي الحكم على الأشياء من منظار موضوعي. أن تمنح المُشاهد طرف الخيط ليلحق به، وتجعله يكمل القصة من خلال العناصر التي تضعها في تصرفه، يعني انك تضع ثقتك المطلقة في المُشاهد. وهو، من جانبه، مفترض ان يكون المُشارك الأساسي في كتابة القصة. نحن نسلمه القصة ونتركه يبحث عن معانيها. على المخرج أن يبقى على مسافة من الفيلم. كلّ تأويل لما تصوره له حقّ في الوجود. ليس هناك ناس يشاهدون الأفلام فحسب، هناك أيضاً أفلام تشاهد الناس.

(...) "يلينا" اعتبره البعض فيلماً عن الصراع الطبقي في روسيا. هذا لم يكن ما كنت أريده، بل أصبتُ بصدمة. الفيلم تشخيص للبُعد الروحاني لروسيا. انه عمّا تبقى لنا من قيم في زمن الرأسمالية، التي رمى الجميع أنفسهم فيها، طمعاً ببعض المنافع الشخصية. هذا أطاح ثوابتنا وأخلاقيتنا. منظومة القيم هي الضحية اليوم.

 * هناك الكثير من التغييرات تحدث الآن في العالم العربي. ماذا عن روسيا؟

ـــ هل هي تغييرات نحو الأفضل؟

* لا أعرف، ربما (ضحك).

ـــ التغييرات ضرورية دائماً، ولكن أفضّل عدم خوض هذا الشأن الآن!

hauvick.habechian@annahar.com.lb

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard