الفجيعة يرويها محاصَرون في الغوطة الشرقية: كنا نقتات الشعير وعلف البقر!

24 شباط 2015 | 13:50

المصدر: (أ ف ب)

  • المصدر: (أ ف ب)

في مركز الايواء الذي يستقبل عشرات العائلات القادمة من الغوطة الشرقية في ريف دمشق، الوجوه تشبه بعضها: حزينة، هزيلة، شاحبة... ويروي اصحابها قصصا لا تصدق عن الجوع والحرمان على مدى نحو سنة ونصف السنة من العيش تحت الحصار.

في باحة المركز الواقع في ضاحية قدسيا شمال غرب العاصمة، اتكأ ابو علي (52 عاما) على فراش ملقى ارضا، والى جانبه عصا خشبية، وقال بمرارة: "كنت استيقظ كل يوم فجرا مع ابنتي ونذهب لنبحث في اكياس القمامة عن اوراق خس او اي شيء يمكن ان نسد به جوعنا".

واضاف الرجل الذي ارتدى ملابس داكنة ووضع على راسه كوفية وعقالا، بصوت مخنوق من شدة التأثر: "كان اسمي ابو علي عندما كنت اعمل واؤمن القوت لاولادي. اما الان..."، ويتوقف عن الكلام ليمسح عينيه اللتين احمرتا واغرورقتا بالدموع.

هرب ابو علي من المليحة الى سقبا قبل ان يقرر الخروج من منطقة الغوطة الشرقية التي تتعرض في شكل شبه يومي لقصف جوي ومدفعي وصاروخي، او تشهد معارك عنيفة بين فصائل المعارضة المسلحة التي تتحصن فيها وقوات النظام التي تحاصرها.

ووجد الموظف سابقا في البلدية، كالمئات غيره من سكان الغوطة وقرى ريف دمشق، مأوى في احد مراكز التي تشرف عليها وزارة المصالحة الوطنية والتي تم اعدادها لاستقبال النازحين الذين وافقوا على الخروج من قراهم في رعاية قوات النظام.

في زاوية اخرى من الباحة، تجلس سلمى (35 عاما) على فراش آخر وهي تحضن طفلتها (تسعة اعوام)، وتقول بحسرة: "أصرينا على الهروب ولو كنا سنتعرض للموت. (...) اولادنا في كل حال يموتون من الخوف والجوع والبرد".

ثم تضيف وبدا وجهها شاحبا جدا وعيناها غائرتين: "لم أذق طعم البندورة (الطماطم) والبطاطا والليمون منذ اكثر من عام".

وكانت سلمى، وهي ام لطفلين، تقيم في بلدة حزة. وتعاني مدن وبلدات الغوطة الشرقية المحاصرة نقصاً كبيراًَ في المواد الغذائية والاساسية والطبية، مما تسبب بوفاة العشرات من الاشخاص.

ويروي سالم القادم من دير العصافير والذي يكشف فمه عن بعض الاسنان السود التي نخرها السوس، قائلاً: "كنا نقتات من الشعير وعلف البقر".
وحتى العلف والشعير غير متوافرين بسهولة، ويقول انه اضطر لبيع مجوهرات زوجته من اجل شراء الشعير الذي بلغ سعر الكيلو منه 1000 ليرة سورية (20 دولارا).

ويتالف المجمع التربوي الكبير الذي يضم مركز الايواء، من طبقات عدة فيها غرف وقاعات تم تجهيزها بالحد الادنى، لا سيما بالفرش السوداء التي يمكن رؤيتها في كل مكان. في احدى الغرف التي دخلها صحافيو وكالة فرانس برس خلال الزيارة الى المركز التي نظمتها وزارة المصالحة الوطنية، كان يمكن رؤية رجل مبتور القدمين، مستلق على فراش، والى جانبه كرسي متحرك، فيما ذكر المنظمون ان غرفا اخرى تضم العديد من المرضى.
ويقول ابو المجد، احد المتطوعين في المركز الذي يؤوي 860 شخصا وصلوا خلال الايام الماضية، ان بين الوافدين اصابات بامراض "لم نعد نسمع عنها في البلاد منذ زمن طويل كالجرب والسل".

وحذرت منظمة "اطباء بلا حدود" غير الحكومية الاسبوع الماضي من ان "الوضع الصحي (في الغوطة الشرقية) وظروف الحياة عموما تجاوزت كل الخطوط الحمر".

في الباحة، جلست عائلة تتذوق صحنا من الفول المدمس بفرح ظاهر.
ويقول مصطفى (76 عاما) الذي بدا جسده نحيلا جدا تحت جلبابه الاسود، بأنه فقد نحو اربعين كيلوغراما من وزنه خلال عامين.
ويضيف الرجل الذي كان يدير متاجر عدة لبيع اللحوم في المليحة "بعد ان كنت قادرا على تعليق خروف يزن 50 كيلوغراما بمفردي، لم اعد اقوى على حمل اي شيء".

بالاضافة الى الجوع والمرض، خسر عدد كبير من سكان الغوطة جنى عمرهم. فقد ادت اعمال العنف الى تدمير العديد من الابنية السكنية والمحال التجارية، كما اضطر السكان الى ترك كل ما يملكونه لدى مغادرة منازلهم التي تعرضت الى النهب والسرقة.
ويتحسر مصطفى الذي كان يعيل 60 فردا على ما وصل اليه "كانت حالتي المادية ممتازة، لكنني الان لم اعد املك شيئا. تهدمت منازلي ومحالي وتبخر كل ما جنيته في حياتي".

ويضيف هذا السبعيني الذي كان يملك بناء من اربع طبقات في المليحة يضم عددا من المتاجر ومطعما: "لم احمل معي سوى الوثائق العائلية".
ويروي النازحون ان العديد من افراد الفصائل المسلحة في الغوطة يستغلون الحصار والحرب لفرض قوانينهم، وغالبا تجاوزاتهم. ويقوم بعضهم باحتكار المواد الغذائية، وبيعها باسعار خيالية.

ويقول ابو النور (50 عاما): "كنا نشتري السيكارة بـ175 ليرة (0,7 دولارا)، بينما العلبة هنا ثمنها 125 ليرة (0,5 دولارا)".
ويقارن السكان بين اسعار المواد التموينية والغذائية في الغوطة مع اسعار العاصمة، "اصبحت البيضة تباع بـ200 ليرة (0,85 دولارا)، بينما سعرها هنا مسلوقة 30 (0,13 دولارا)، وكيلو السكر يباع بـ4000 ليرة (16,5 دولارا)، وهنا 125 (0,5 دولارا)".

في الوقت الحالي، لا يفكر الخارجون من جحيم الحصار كثيرا بالمستقبل. وتقول سلمى: "كل ما يهمني حاليا هو الحصول على هذا"، مشيرة بيدها الى كيس من الخبز الى جانبها.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard