مهرجان برلين يحشر نفسه بين جرائم العسكر وفضائح الكنيسة

11 شباط 2015 | 17:01

بعد ويك أند من الأفلام "اللطيفة"، كما يقول الفرنسيون، في مهرجان برلين السينمائي (5 - 15 الجاري)، جاءنا بطلان سينمائيان من تشيلي، بطلان بكلّ ما في الكلمة من شجاعة وروعة ومناقبية. كلاهما يعرض جديده المدهش في المسابقة الرسمية. انهما قامتان كبيرتان مع فارق العمر بينهما الذي يصل الى 35 سنة. الأول، باتريسيو غوزمان (73 عاماً) رجل ذو باع طويل، له مكانة متقدمة في السينما الوثائقية عبر التاريخ المعاصر، ينقب في ذاكرة تشيلي الجمعية ويعيد كتابة التاريخ الحديث لبلاده منذ الانقلاب العسكري في العام 1973، بعيداً من كتب التاريخ المضللة. في محاذاته، يقف سينمائي تشيلياني آخر، لا يقل شطارة عن غوزمان: بابلو لوراين، 38 عاماً، أطلقه في العام 2008 فيلمه الأول "طوني مانيرو". جيلان يتسابقان لكشف بعض من الواقع التشيلياني، ولا يتأخران عن المشي على أرض محفوفة بالأخطار، في بلاد شهدت 200 مجزرة "سياسية" منذ تأسيسها.

 

 "زر اللؤلؤة"، تحفة السينمائي التشيلياني باتريسيو غوزمان المشارك في برلين.

في "الزر اللؤلؤة"، يقدم غوزمان مرافعة طموحة ضد النسيان، متنقلاً من خلال روابط مدهشة، من الفضاء والنجوم والمياء الى انقلاب بينوشيه والمجازر التي ارتكبت آنذاك في السبعينات في حق معارضيه. بتعليق صوتي جميل يمسك النص من كل أطرافه، يحملنا الشريط الى مغامرة لن نعود منها سالمين. صور أخاذة، خيال مشتعل، طموحات جمالية لا حدود لها، هذا كله في اطار سينما مصنوعة بذكاء باهر، وخصوصاً في ربط الأشياء بعضها بالعبض الآخر. في تحفته السابقة، "نوستالجيا الضوء"، كانت الأمهات يبحثن عن بقايا أولادهن في الصحراء. في "الزر اللؤلؤة"، الذي يقول عنه غوزمان إنه قد يكون الجزء الثاني من ثلاثية سيعمل على تحقيقها، استُبدلت الرمال بالماء الذي يشكل أطول حدود لتشيلي. للماء ذاكرة وأصوات تتدفق بحنان الى فيلم يحمل في داخله فناناً وانساناً ومعلماً تنويرياً. المياه تخبئ كل تاريخ بلاده. من قعر المحيط، ينتشل غوزمان ضحايا العنف والاقتتال والديكتاتورية، راوياً التاريخ من وجهة نظر الخاسرين المنبوذين. نحن امام قصيدة سياسية وبيئية بديعة تعيد الاعتبار الى الطبيعة كالحقيقة الوحيدة التي لا تزول.
يطرح الفيلم ايضاً مسؤولية الولايات المتحدة في التآمر على الشعب التشيلياني من خلال دعم الانقلاب والاتيان بأوغوستو بينوشيه الذي تسبب بمقتل أكثر من 3000 مواطن وتعذيب الالاف. المشهد الأفظع في الفيلم، هو ذلك الذي نرى فيه تمثيل كيفية ربط القطعة المعدنية الى خصر الضحية، قبل ان ترميه المروحيات حياً او ميتاً في قعر المحيط. عن موضوع الذاكرة الجمعية، يقول غوزمان مؤكداً: "الشباب في تشيلي يريدون ان يعرفوا كلّ شيء عمّا حصل في بلادنا. أجدادهم وأهاليهم وأساتذتهم لم يحكوا لهم ايّ شيء بالتفاصيل. لهذا السبب، هم متعطشون لمعرفة ما لا يعرفونه. وهم ينتمون الى جيل لا يشعر بالخوف، منفتحون لمواجهة الحقائق".

غوزمان اثناء عرض فيلمه.


اذا كان فيلم غوزمان صفعة الدورة 65، فإن فيلم مواطنه بابلو لاراين، "النادي"، المثير للقلق، يشكل خضّته. تكفي مقطوعة موسيقية للاستوني آرفو بارت المتلفة للأعصاب وبضعة مناظر تُلتقط بالـ"كونترجور" (التقاط مشاهد سرجيو ارمسترونغ) كي نضع قدمينا في أرض الفيلم الشاحب الذي سيزداد سواداً كلما تقدم الى الأمام، ودائماً مع حسّ ساخر يتحول احياناً الى كوميديا سوداء. أما الممثلون، فيقدمون اداءات فاقعة الرصانة في تعبيرهم عن شعور اللاندم. طبعاً، الفيلم أقرب الى مناخات "طوني مانيرو" منه الى "لا"، فيلم لاراين السابق، اللذين يشكلان مع "بعد التشريح"، ثلاثية لاراين عن بينوشيه.
أربعة رجال وسيدة يعيشون في نوع من "منفى" في بيت على شاطئ البحر في منطقة لابوكا التشيليانية. يشربون الخمر ويراهنون على "مندوبهم" في مسابقة الكلاب، ولا يختلطون بسكان المنطقة. الرجال رهبان سابقون استغنت عنهم الكنيسة بعد تسببهم بفضائح مختلفة، لكنهم لا يزالون في حمايتها ورعايتها، ويفترض انهم في هذا المكان للتوبة. أما السيدة، الأخت مونيكا، فراهبة، ترافقهم وتحرص على تطبيق القوانين التي يلتزمونها، على الرغم من انها مرتبكة ايضاً. هؤلاء لا يفعلون شيئاً الا الأكل والشرب والنوم ومشاهدة التلفاز، ويدرّبون بهيمتهم الصغيرة للمشاركة في سباق مخصص للكلاب. مرة اخرى، يعود بينوشيه، ليس من خلال الجرائم التي ارتكبها، بل من خلال استعادة حقبة السبعينات شفهياً، وهي الفترة التي نشط فيها الرهبان المعزولون. كلّ شيء يبدأ مع وصول راهب خامس الى "منزل التوبة"، يتبعه رجل خارج عن طوره، يروح يروي من تحت شبّاك المنزل، أمام الجميع وبصوت عال، تفاصيل اغتصابه عندما كان شاباً يافعاً، على يد راهب وصل للتو الى مسكنه الجديد. كيف وضع الراهب إحليله في فم ضحيته، وكيف استمنى وكيف وكيف... لا يوفر الفيلم اياً من التفاصيل لكشف حقيقة رجل دين بيدوفيلي.

ما يحصل في اللحظات القليلة التي تلي الفضيحة، سيجعل الكنيسة ترسل الأب غارثيا المتخصص في حلّ الأزمات والمشكلات المستعصية. الرجل يؤمن بأن على هذا المكان ان يُقفل، كونه لا يراعي اياً من شروط السلوك الرهباني الحسن، فيبدأ بسلسلة استجوابات مع الرهبان... اعترافات ستجعل الفيلم يغوص في المزيد من الفضائح بين التحرش الجنسي بالأولاد وبيع الأطفال الرضّع بعد انتزاعهم من أمهاتهم. هذا فيلم آخر عن السلطة المطلقة التي تلجأ الى كلّ انواع الجرائم عندما تضطر الى ذلك، ويُرينا من جملة ما يُرينا، التواطؤ الذي سيحصل بين الأب المصلح والمتهمين، لتلميع صورة الكنيسة أو على الأقل لعدم الاساءة اليها.

بابلو لاراين مع فريق الممثلين في "النادي" خلال المؤتمر الصحافي.


فيلم الافتتاح، "لا أحد يريد الليل" للمخرجة الاسبانية ايزابيل كوشيت (مسابقة)، هو الآخر كان مخيِّباً. عمل نسوي اخرجته سيدة وتؤدي فيه البطولة سيدة أخرى هي جولييت بينوش. الفيلم في مجمله متهالك وفاقد للشخصية السينمائية، يُفتتح بلقطة تقتل فيه بينوش دباً قطبياً، الأمر الذي يفتح المجال واسعاً امام بعض التعليقات الساخرة. فكيف يُقتل الدبّ، وهو شعار المهرجان، منذ اليوم الأول لانطلاقه؟ من غرينلاند يأخد فيلم كوشيت مسرحاً للحوادث. هناك حيث الطبيعة غاضبة باستمرار والثلوج عالية والرياح تجرف كل شي على طريقها. عندما تفقد جوزفين بيري (بينوش) التواصل مع زوجها الضائع عند حافة الكرة الأرضية تذهب للبحث عنه، على الرغم من اصرار الكلّ على التخلي عن تلك الفكرة، لأنها ضربٌ من الجنون. مقاربة كوشيت كلاسيكية جداً في هذا الفيلم، ونراها متمسكة بتقنيات "المدرسة القديمة"، سواء في الزاويا التي تختارها للتصوير أو نوعية التعليق الصوتي. في النهاية، الميلودراما هي التي تنتصر على كل المحاولات للزج بالفيلم في المغامرات.

جولييت بينوش وغابريال برن في فيلم ايزابيل كوشيت.


"يوميّات مدبرة منزل" لبونوا جاكو هو الفيلم الفرنسي الوحيد الذي يشارك في مسابقة المهرجان. المخرج الفرنسي الغزير الذي انجز 43 فيلماً بـ41 عاماً يجد ضالته في إحدى كلاسيكيات الأدب. أفلمة جديدة لرواية غوستاف ميربو (1900) التي نُقلت مراراً الى السينما، منذ أيام جان رونوار ولويس بونويل، علماً ان الأخير أفلمها في نسخة اضطلعت بدور مدبرة المنزل فيها الممثلة الفرنسية المدهشة جانّ مورو. هنا تأخذ محل مورو ليا سايدو، شابة باريسية تتسلم وظيفة مدبرة منزل عند عائلة بورجوازية مقيتة تسكن في منطقة النورماندي. سيليستين (هذا اسمها) عنيدة، صاحبة شخصية قوية، لا تتنازل بسهولة عن حقها في ان تُعامل كإنسانة كاملة.

تتعرض سيليستين للتحرش الدائم من ربّ عملها، في حين تلحّ عليها زوجة الأخير لتقوم بهذه المهمة او تلك، فقط من باب تعذيبها وارهاقها. حياتها أشبه بجحيم متواصلة. رواية ميربو تضعنا أمام السؤال الملح: الى اي مدى يمكن الانسان ان يحافظ على نزاهته وهو يتعرض لمثل هذه المهانة؟

 ليا سايدو في "يوميات مدبرة منزل" لبونوا جاكو.

 

hauvick.habechian@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard