عندما ضغط على الزّناد بنيّة القتل... هذا ما حصل!

12 شباط 2015 | 10:30

المصدر: "النهار"

في ذلك الأحد، اجتمع أسعد مع عائلته لتناول طعام الغداء واحتسى بضعة أقداح من العرق، وما كان مزحة وقتذاك تحوّل إلى اعتداء مسلّح نجا منه ثلاثة أشخاص بأعجوبة. من باب المزاح عمد عمّ أسعد على تحريضه على قريبه وليد بسبب خلافات قديمة بينهما على قطعة أرض، فأخذ مسدسه المرخّص وخرج مسرعاً، لحقوا به لكن الطلقة الناريّة التي استقرّت في كتف وليد كانت أسرع منهم، حاول عمّه نزع الفرد من يده فأصيب في بطنه، وأصيب صهره في رجله أيضاً، نقل الثلاثة إلى المستشفى للمعالجة، ودخل أسعد إلى السجن لأشهرٍ حقّ عام، ثمّ خرج بعدما أسقطت الدعاوى بحقّه.

بعد تلك الحادثة تصالح أسعد مع أقاربه ولكن حياته تغيّرت وفق ما يقول لـ"النهار": "ما زلت لا أصدّق أنني أطلقت النار على ثلاثة أشخاص، وأنه لولا تدخّل المعونة الإلهيّة لتحوّلت اليوم قاتلاً، لا أعرف كيف أمكنني الضغط على الزناد وفي نيتي وضع حدّ لحياة إنسان، لم أشعر بفداحة ما ارتكبت إلّا بعد فوات الآوان. السلاح سيف ذو حدّين؛ يمدّ حامله بشعور بالقوّة والسطوة ولكنّه مؤذٍ وخطير في حال تحكّم بعقل الإنسان. لقد تخلّيت عنه وأمنع أولادي من مجرّد التفكير بحمل بندقيّة صيد".

ليست هذه الحادثة الأولى من نوعها وقد لا تكون الأخيرة في دولةٍ السّلاح فيها مباح، ولا يوجد من يضبطه ويجعله حكراً في يد الأجهزة الأمنيّة الرسميّة فقط، في دولة يزيد فيها عدد متاجر بيع الأسلحة على عدد دور التربية والتنشئة المدنيّة، في دولة يرخّص فيها السلاح بطريقة عشوائيّة ولا من رقيب أو حسيب، في دولة يتسابق فيها مواطنون على اقتناء السلاح لفقدانهم الثقة بقدرتها على حمايتهم، في دولة المحسوبيّات والميليشيات المستترة في ظلّ أسماء مخفّفة مثل "حماية خاصّة" و"أمن الشخصيّات" و"الأمن الذاتي" و"الدفاع عن الحدود"... فما هي دوافع المواطن اللبناني لحمل السلاح؟ إلى أين تتجه حركة بيع السلاح في لبنان؟ ما هي آليات ترخيصه وكيف تتمّ عملانياً؟ وما سبب هذا التهافت على حمل السلاح وسبل المعالجة؟

"كلّ مين سلاحو إلو"
لكلّ لبناني دافعه الخاصّ لحمل السلاح؛ هناك من هو خائف على وجوده، وآخر من يريد تسيير أعماله التي تتسمّ بالخطورة، والبعض يشعر بغبن واستضعاف له على حساب تقوية آخرين.

ومع اشتداد خطر الجماعات الإرهابيّة المتربّصة على الحدود اللبنانيّة وتسعى لاختراق هذا الوطن الصغير، عمد شربل إلى التزوّد بالسلاح استعداداً لمواجهة أي خطر تكفيري يهدّد حياته ووجوده، ويقول: "اشتريت مجموعة من الأسلحة، ونوّعتها بين البومب أكشن والكلاشنيكوف والمسدسات الصغيرة، "داعش" متربّصة على الحدود ولا أحد يدري متى تدخل إلينا، لن أقف متفرّجاً، ولن أتنازل عن أرضي، سأدافع عنها وعن حياتي وعرضي وشرفي حتى آخر رصاصة".

أمّا وليد فيشتري السلاح لضرورات عمله ويقول: "أنا أعمل في نقل البحص والرمل ومواد مختلفة، أعمل في الليل وأستقلّ طرقات نائيّة، السلاح ضروري لأحمي نفسي ومصالحي ضد جماعات الخطف وقطّاع الطرق والسارقين، في لبنان لا يأخذ المرء حقّه إلّا بيده".

في المقابل، انجذب خالد إلى سحر السلاح ليبعد مشاعر الضعف والغبن عن نفسه ويقول: "هناك جماعات مسلّحة في كلّ بقعة من الأراضي اللبنانيّة من تجّار مخدّرات، خاطفين، من يدّعون حماية الأرض والعرض، ومن يقيمون إمارات ومربّعات أمنيّة. الحاجة إلى السلاح ضروريّة، فالقوي فقط هو من يُحسب له حساب، ويعيش مرفوع الرأس، لن أنتظر الحماية من أجهزة تقوم بواجبها بطريقة استنسابيّة، أنا قادر على حماية نفسي ضمن الجماعة التي أنتمي إليها".

الشغل ماشي
وفي ما يتعلّق بشراء الأسلحة، يبدو أنها التجارة الأكثر رواجاً بعدما تفاقم الطلب عليها منذ نحو عامين نظراً إلى الخطر الإرهابي الذي يتمدّد في سوريا والعراق ويهدّد لبنان وخصوصاً في خاصرته الضعيفة، المناطق الحدوديّة، وهو ما دفع كثيرين إلى السعي لامتلاك سلاح أو إضافة قطع جديدة إلى ما يملكونه، تحسباً لأي معركة قد يجبرون على خوضها في حال عجزت الأجهزة الأمنيّة التي يستبسل أفرادها على الحدود، عن حماية الوطن وأهله.

وبحسب ما يؤكّد أحد تجّار السلاح لـ"النهار" فإن الإقبال على شراء القطع الحربيّة ينتشر في كثير من المناطق اللبنانيّة، ولكنّه يرتفع في بعض المناطق المسيحيّة وخصوصاً بين فئة الشباب. ويضيف: "هناك مصادر عدّة للسلاح؛ الأحزاب تسلّح مناصريها، والمخيّمات تبيع القديم لديها، وهناك متاجر تبيع أسلحة صيد ومسدسات، إضافة إلى وجود سلاح مهرّب على مدار سنين إلى لبنان".

أمّا الأسعار فقد ارتفعت في شكل لافت، ويقول: "هناك إقبال كبير على شراء البومب أكشن، وهو سلاح صيد متوافر في المحلات المتخصّصة ولا حاجة إلى رخصة لحمله، يتراوح سعره بين الـ200$ و500$. هناك المسدسات مثل الغلوك الذي يبدأ سعره من الـ3000$، وهناك مسدسات خلّابية وبلجيكيّة وتشيكيّة يتراوح سعرها بين الـ300$ وصولاً إلى 2000$. كما تنشط عمليّات بيع رشّاشات الكلاشنيكوف العراقي والإيراني والروسي والصيني، وتراوح أسعاره بين الـ1500$ وصولاً إلى 2500$. إضافة إلى بيع بندقية "أم 16" الأميركيّة والـ"بي كا سي" والقنابل اليدويّة والهاون".

عشوائيّة الرخص
أمام هذا الواقع، تتّسم آليّة منح رخص حمل السلاح بالعشوائيّة وقلّة المسؤوليّة على الرغم من قرارات تجميدها الصادرة. ويقول مصدر أمني لـ"النهار": "ينيط قانون الأسلحة والذخائر اللبناني الصادر في عام 1959 صلاحيّة إعطاء رخص اقتناء السلاح وحيازته وحمله بوزارة الدفاع، ويحظر على أي كان نقل الأسلحة والذخائر أو حيازتها في الأراضي اللبنانيّة، ما لم يكن حائزاً رخصة صادرة عن قيادة الجيش، تمنح لمدّة سنة واحدة قابلة للتجديد".

ويضيف: "على الرغم من وضوح القانون، إلّا أن هناك جهات متعدّدة تمنح رخص حمل السلاح وفق مبدأ المحاصصة والمحسوبيّة، وهي تطاول الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة، والضباط العسكريين والأمنيين، والمسؤولين السياسيين، والشخصيّات السياسيّة والنافذة، والوزراء، والنواب والأحزاب، والأخطر أنها لا تحدّد نوع السلاح المسموح حمله إذ يدوّن في الرخصة عبارة مختلف".

والجدير بالذكر أن تعدّد جهات منح الرخص وغياب الرقابة والمساءلة وتفشي المحسوبيّات سمحت لمطلوبين بحمل أسلحة مرخّصة استعملوها في وجه الأجهزة الأمنيّة، وسمحت بتفشي هذه الظاهرة في شكل علني يشكّك بهيبة الدولة، بحيث باتت الأسلحة متوافرة في أيدي شباب ويافعين ومستزلمين.

ثقافة العنف
علامَ تدلّ هذه الظاهرة؟ وما الذي يقود المواطن نحو الحماية الذاتيّة وفقدان الثقة بدولته؟ وأين يكمن الحلّ؟ تقول الاختصاصيّة في علم الاجتماع، جورجيت عبده، لـ"النهار": "إن عدم الثقة بالدولة يعود إلى سنين ماضية، ولقد تجذّرت هذه الفكرة إبان الحرب اللبنانيّة وسيطرة الميليشيات حيث عجزت الدولة عن القيام بواجباتها في الدفاع عن المواطن، وتفاقمت الهوّة بين المواطن ودولته بعد الحرب بسبب الوضع الأمني المتفلت، وسواد منطق المحسوبيّات، وغياب المساءلة والعقاب، وطغيان الفساد، وانتشار السلاح عشوائياً، إضافة إلى سيادة تلك الثقافة التي تعتبر أن السلاح هو زينة الرجال، كلها عوامل ساهمت في تفاقم هذه الظاهرة وترسّخها في المجتمع اللبناني، وهي إن دلّت فعلى الجهل الجماعي وانحلال المشاعر الإنسانيّة السويّة والخلفيّة العنفيّة في المجتمع، والنزعة الغرائزيّة نحو إثبات الوجود، وإظهار القوّة، والقدرة على المنافسة والمواجهة وفرض معادلات ضيّقة وتخويف الآخرين".

وعن إمكان معالجة هذه الظاهرة والسير نحو إنهائها، تردّ عبده: "إن المعالجة تتطلب العمل على مستويات عدّة، تبدأ بالأسرة والمدرسة المسؤولتين عن التربيّة والتنشئة، حيث من الضروري ترسيخ القيم والمبادئ السلميّة الرافضة للعنف. وتمتدّ إلى الإدارات الرسميّة المعنيّة التي عليها وضع قوانين صارمة وتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة وتطوير العمل الرسمي لإعادة ثقة المواطن فيها، وحصر السلاح في يدها. كما تشمل المرجعات الدينيّة التي من واجبها حضّ الأفراد على الكفّ عن هذه الممارسات، ووسائل الإعلام للمشاركة في عمليّة التوعية".

قائمة قتلى السلاح المرخّص وغير المرخّص في لبنان طويلة، وهي متعدّدة الأسباب والدوافع، فهناك من قتلوا برصاص الابتهاج بالزعماء والمناسبات والأعياد، ومن قتلوا نتيجة خلافات فرديّة، ومن يقتلون يومياً بسبب الإرهاب والعمليّات الجرميّة. إنها فوضى السلاح التي أعادت إليان الصفطلي جثة هامدة إلى منزل أهلها بعد سهرة قضتها خارجاً، وقتلت حسن العريبي بسبب إشكال بين مجموعة من الشباب، ودخل بنتيجتها الطفل أنطوني سعد في حالة حرجة إلى المستشفى بعدما أصابته رصاصات الابتهاج التي أطلقت أثناء إطلالة رئيس مجلس النواب نبيه بري، وتوفي بسببها أحمد الساحلي برصاص الابتهاج بعد إطلالة فؤاد السنيورة. أسماء قد لا تكون الأخيرة في ظلّ عدم جديّة أطر المعالجة وبقاء الشعب الضحيّة الأولى والأخيرة!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard