آية ابنة التسع سنوات عاشت كابوساً جنسياً

6 شباط 2015 | 12:57

المصدر: "النهار"

"لا يأتي الأسى إلّا من الناس، لا تجرح النفس إلّا نفس أخرى، ولا يدمي القلب إلّا بشاعة الآخرين"، هكذا تستهلّ آية سرد قصّتها لـ"النهار"، التي بدأت تفاصيلها يوم طلاق والديها حينما كانت في سنّ السابعة. شهور مضت قبل وفاة والدها بقذائف صاروخيّة طالت الحيّ البيروتي الذي كان يسكنه إبان الحرب اللبنانيّة، "ذلك اليوم كان بداية حياة تعيسة عشت مرارتها، أوصلتني إلى بوابة الموت مرّات قبل أن تشدّني إليها مجدّداً، لتذيقني مرارات آلام مضنية".

قصر جميل أم سجن موحش؟
"كنت في سنّ التاسعة عندما تزوّجت والدتي ثانية، انتقلنا للعيش في منزل جديد وجميل وكبير، حصلت فيه على غرفة خاصّة وسرير مريح وألعاب جميلة، لكنني لم أعِ آنذاك أن هذا القصر الجميل سيتحوّل سجناً قبيحاً".

بحجج الدلع والمحبّة الأبويّة، كان زوج والدتها يتحرّش بها جنسياً، حتى بدأت تكره نفسها وتسعى إلى وضع حدّ لهذا المصير. تقول آية: "بداية لم أفهم ماذا يحصل معي، لم أكن أدرك أنني أتعرّض لتحرّشات جنسيّة متواصلة أفقدتني طفولة وبراءة لم يعوّضهما المال والجاه، مرّت سنون وصرت أكره نفسي، إلى أن قرّرت وضع حدّ لعذاباتي".

هروب نحو الانتحار
حاولت آية الإنتحار مرّات عدّة عبر قطع شرايين يديها، لكن الحياة تمسّكت بها، أصبحت انطوائيّة وعصبيّة، لم تقوَ على قول الحقيقة وكشف المستور. تتابع: "كانت نهاراتي شبيهة بلياليّ، لا يختلفان بسوادهما الكالح. خشيت كشفه، لم أستطع فضح حقيقته الوحشيّة المختبئة وراء تلك البسمة الكاذبة. خلف ابتسامته الماكرة والخبيثة استباح جسدي، حاولت الانتحار مرّات عدّة، قطعت شرايين يدي، تألّمت كثيراً لكنني لم أرتح يوماً، حاولت أمي مراراً أن تعرف سبب تصرّفاتي، ظنّت أنني من عبدة الشيطان بسبب ارتدائي الأسود دائماً، ونظراً إلى تصرّفاتي العدائيّة وتعذيب نفسي وجسدي، لم أستطع إخبارها، لم أتمكّن من كسر أحلامها وفرحها. عرضتني على مساعدة اجتماعيّة واختصاصيّة نفسيّة، وبعد سنوات بانت الحقيقة".

مع كشف الحقيقة، طلبت الوالدة الطلاق، وأمسكت يد ابنتها محاولة ردّ اعتبارها وترميم ما تكسّر في نفسها، رفعت دعوى ضدّ طليقها، ولكنّه لم يُحاكم لعدم وجود أدلّة كافية تدينه. تقول آية: "كنت أريده أن يعاقب وأن يتألّم، لكن العدالة لم تنصفني. بدأنا حياة جديدة، أنا ووالدتي التي لم تتركني يوما،ً وكان شعور بالذنب يلازمها ويحرقها يومياً. مع الوقت صرت أحبّ حياتي، تحسّنت علاماتي ودخلت الجامعة لأتخصّص في مجال الحقوق، لم أكن أعلم أنني سأذوق المرّ مجدّداً".

مرارات متلاحقة
ظنّت آية أن ذكريات الطفولة لن تحيا مجدّداً، أن آلام الماضي ذهبت من دون رجعة. لم تعلم أنها ستتعرّض لاعتداء جديد سيقلب حياتها رأساً على عقب. تقول: "كنت نادراً ما أخرج من المنزل مع الأصدقاء، على الرغم من محاولات أمي الكثيرة وإلحاحها المتواصل عليّ لأستمتع بالحياة. في تلك الليلة المشؤومة خرجت مع رفاقي في الجامعة لنحتفل بعيد ميلاد صديقتنا، في نهاية السهرة عدت مع أصدقائي إلى المنزل كي لا تتكبّد والدتي عناء القيادة في الليل. استقلّ الشاب الذي يقود السيّارة طريقاً فرعيّة أوصلتنا إلى طريق مقطوع، خرجت رفيقتي من السيّارة مع صديقها لتبادل القبل، وبقيت مع صديقهما في السيّارة أنتظرهما، لم أكن مرتاحة للأجواء، تقرّب مني وصدّيته ولكنني لم أتمكّن من لجمه، صرت أصرخ فعادت رفيقتي وصديقها بسرعة وخلّصاني منه وأعاداني إلى المنزل".

خروج نحو الحياة
ادّعت آية على ذلك الشاب رغم محاولات صديقتها ثنيها، أرادت أن تستعيد حقّها ولو مرّة واحدة، وتقول: "في تلك الليلة، عدت باكية إلى المنزل، أخبرت والدتي بما حصل، قرّرت أن أدّعي عليه، وهذا ما حصل. كانت آثار وحشيّته واضحة على وجهي ويدي، شعرت بأنني للمرّة الأولى أستردّ حقّي. هذه التجارب علّمتني أن لا أسكت عن حقي، وأن لا أتراجع مهما كان الألم موجعاً".

"بعد تلك الحادثة تغيّرت حياتي جذرياً، قرّرت نفض الماضي عني، ومحو الخجل من نفسي، والمضي في الحياة، أنا قوّية وأستحقّ العيش والفرح. تخرّجت من الجامعة بتفوّق، وأنا اليوم أعمل مع النساء والفتيات المعنّفات، أساعدهن ليتعلّمن من تجربتي أن الحياة لا تتوقّف عند أذى الآخرين، بل تستمرّ بسعينا وقوّتنا وإصرارنا".

أسباب وتبعات
وعن الأسباب التي قد تدفع بشخص يافع إلى التحرّش جنسياً بقاصر، وعن الدوافع وراء سكوت آية ومحاولتها الانتحار، ولاحقاً قدرتها على تخطّي مشكلتها، تقول المعالجة والاختصاصيّة النفسيّة، كوزيت عبود، لـ"النهار": "ما حدث مع آية يحدث مع كثيرات، لقد تعرّضت لتحرّش جنسي ولكنها بقيت منزعجة لأن المتحرّش لم يعاقب، ولكن متى استطاعت أن تستعيد حقّها مع الشخص الآخر ارتاحت واستطاعت تخطّي المشكلة".

وتضيف عبود: "في أغلب الأحيان إن ما يدفع شخص ناضج ويافع للتحرّش بقاصر هو تعرّضه للتحرّش في صغره، إضافة إلى إمكان وجود عوامل أخرى تدفعه نحو هذا التصرّف، علماً أنه مرض وانحراف نفسي يعرف بالـPedophilie. أمّا قدرة الشخص الذي تعرّض للتحرّش على تخطّي المشكلة فهي نابعة من مدى قوّته على مقاومة الصدمات الناتجة من التركيبة النفسيّة لكلّ إنسان، إضافة إلى دور المحيط في مساعدته واللجوء إلى اختصاصيين نفسيين واجتماعيين لمعالجة حاله".

وتتابع: "عادة هناك صعوبة في الكلام على الموضوع لدى الطفل، أو لأنّه يشعر بالذنب نتيجة تعرّضه لاعتداء فيلوم نفسه، أو لأنه تعرّض للتهديد، أو للابتزاز. ولكن مع الوقت يشعر بأن هناك خطأ ما يدفعه لكره نفسه والسكوت، علماً أن ما قامت به آية من محاولة لتشطيب جسدها هو ردّة فعل ومحاولة للتحكّم بالوجع النفسي الذي يعتريها وتسبّب به المتحرّش من دون قدرتها على منعه، تعذّب نفسها لتشعر بأن الألم صادر عنها فقط".

وتختم عبود: "إن عمل آية في مؤسّسة لمساعدة النساء والفتيات المعنّفات، ما هو إلّا محاولة للدفاع عن نفسها، ولتوعية الآخرين من خلال تجربتها، ومن المؤكّد أن المعالجة النفسيّة التي حصلت، ومعاقبة المرتكب الثاني جعلاها تتخطّى المشكلة بسرعة أكبر وتكمل حياتها بطريقة طبيعيّة".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard