وسائل الإعلام بين عرض مَشاهد الحرق المقزّزة وحجبها: إنه الهيجان!

4 شباط 2015 | 16:14

المصدر: "النهار"

معاذ الكساسبة (الصورة عن الانترنت).

هَزّ إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة القلوب والأبدان منذ إرساله خبراً عاجلاً مساء الثلثاء. لم تكن الميديا قد انشغلت بضوضاء الفيديو والصور. فعل الحرق حتى الموت كافٍ لنسف أُسس العقل وإن لم يُرفَق بأدلّة مُقزِّزة، لكنّ البعض تحمَّس. مرعبٌ مشهد حرق الحي، لا تعوزه العين لتثبيت فظاعته. بيد أنّ الفيديو الداعشي المُظهِر بشاعة الجريمة، سرعان ما تحوّل "ضرورة" توثيقية للحدث، تداوله بعض الإعلام، أو اقتطف منه وأرفقه مع الخبر لظنٍ بأنها المواكبة الصحيحة. طافت صور الطيار محترقاً على مواقع التواصل حتى استدعت صرخةً مضادة تدعو الى استبدالها بصورٍ حية لا انكسارات فيها ولا بقايا لحمٍ يحترق. ناشطو "تويتر" و"فايسبوك" يتناسخون التعليقات، ريتويت أو شاير وتفيض الصفحات بالمواقف. لكن ماذا عن موقف الإعلام؟ في كلّ مرة تُطرَح استحقاقات الفجائع، يُسأل عن تلبّكِه. تحيله صور الطيار، مجدداً، على إشكالية أخلاقيات التصرُّف. إن كان الإعلام الغربي أشدّ تماسكاً لجهة الموقف الأخلاقي المتعلّق بنشر صور الحرب، فإنّ الإعلام العربي لا يزال يتخبّط. عند المِحكّ، هو تشوّشاتٌ وتضوضع. كأنّ الظنّ أنّ أمانة نقل الحدث لا تتحقق بسوى المشهديات القاسية. الانقسام الرهيب ثانيةً: تحفُّظٌ عن نشر الصور والاستعاضة عنها بلقطة "لطيفة" (الطيار بلباسٍ برتقالي قبل أن يلتهمه اللهب)، في مقابل عرض مَشاهد الاحتراق وجرّافة تردم الجسد بالحجارة، كما فعلت "أن بي أن" من غير مسؤولية مهنية.

نشر الصور إذلالٌ أم واجب؟

العاشرة ليلاً، بدأت نشرة الـ"أن بي أن". تراءى مُستبعَداً احتمال تورّطها في بثّ الفيديو الداعشي مهما تعدّدت الذرائع، فجاء العكس صادماً. اقتطفت المحطة لحظة اشتعال النار بجسد الطيار وتقلّبه محترقاً متألماً، ولم تكتفِ بالبشاعة، إذ أرفقتها، من غير اعتبارٍ لأصحاب القلوب الضعيفة، بلقطة الجرّافة تردم الجسد المحترق داخل القفص بالحجارة! إننا إذ ننتقد عرض صور جامدة للمأساة، ها "أن بي أن" تعرضها حيّة، لا تعتذر على قسوة ولا تُنبِّه الى تضمُّن المشهد ما لا يُحتَمل، ثم تُكمِل النشرة كأنّ شيئاً لم يحصل: "حركة أمل أول من أزالت الشعارات الحزبية..."! سقطةٌ بكلّ المعايير. تتحفنا كليات الإعلام (في الجامعة اللبنانية تحديداً) بكتب أخلاقيات المهنة. نبتلعها، وبعد التخرُّج نرسلها الى الجحيم! نسأل رئيس مجلس إدارة "أن بي أن"، مديرها العام قاسم سويد عن الداعي من عرضٍ مماثل. ثمّة ترّهات لا يُبرَّر ارتكابها، وتجاوزات تشي باستعجالٍ مضطرب. يردُّ بأنّ "الفيديو انتشر عبر مواقع التواصل، والمحطة اقتطفت جزءاً بغرض عرض البربرية". مهلاً! لكنّ مجرّد أن يُحرَق إنسان، فإنه التوحُّش، ولا داعي للأدلّة البصرية. له رأيٌ مخالف: "يتساءل الناس كيف أُحرِق؟ كيف حصل مثل هذا الإجرام؟ قدّمنا الجواب من الفيديو الذي انتشر عبر المواقع والهواتف. لا بدّ للجميع من رؤية الهمجية".

إنّه "الواجب" إذاً، وإن تعارض مع كلّ صوتٍ رافض. منذ أخذ "داعش" و"النصرة" تصفية العسكريين اللبنانيين المخطوفين لديها، تارةً بحزّ العنق وتارةً بفنون أخرى، أجمع الإعلام اللبناني على تفادي نشر لقطات تُظهر العسكر مُهاناً أو مسلوب الإرادة أو على شفير الموت. أما في ما خصّ الطيار الأردني، فراحت المزاجية تتحكّم. يخبرنا رئيس مجلس إدارة "أل بي سي آي" بيار الضاهر أنّ حرية التصرُّف بالصورة ليست مطلقة كما قد يستسحن البعض. عرضت المحطة الكساسبة في القفص محوطاً بقساة الأفئدة، وإذ هَمَّ داعشي الى إشعال النار، توقّف العرض. نسأله عن الضوابط: الغرب صارمٌ في الموقف الأخلاقي حيال الموت، أما هنا، فحتى الجثث وجهة نظر! كيف ذلك؟ يذكّر بأنّ "أل بي سي آي" تحجب كلّ مشهدٍ لاإنساني، منذ صور العسكر اللبناني مذلولاً على التراب، حافي الأقدام، راكعاً. وكلّ ما يوحي بالإرادات الضعيفة والرسائل الموجّهة تحت حدّ السيف. "ولا فارق بين أخلاقية التعاطي مع العسكر اللبناني ومع الطيار الأردني. الإنسان إنسان".

11 أيلول، غزو العراق ورؤوس داعش

نسأل مدير الأخبار في "بي بي سي" محمد يحيا، من لندن، موقف القناة من عشوائية الصور. بينما حافظ بعض الإعلام اللبناني على مسافةٍ وسطية بين عرض الجسد محترقاً بالكامل والامتناع عن تداول المشهد، مال الإعلام الغربي، كـ"بي بي سي" و"سي أن أن" وسواهما الى عدم الإشارة للبشاعة بصرياً. صارمةٌ "بي بي سي" في مسألة كهذه. يحسم يحيا: "نرفض عرض أي صور تُظهِر الرهينة في وضعية إهانة، ولا نزيد من عذابات الأهل. نعرض في حالات الإعدامات وقطع الرؤوس صور الضحايا قبل الأسر. في النهاية، يساهم العرض المماثل في نشر بروباغندا داعش. يعلم الجميع أنّ في استطاعة التنظيم ارتكاب ما لا يخطر من جرائم. أمكن لمن شاء التزوّد بالصور من فايسبوك وتويتر. بالنسبة إلى بي بي سي، لن يضيف عرضها شيئاً ولن يساهم بأي قيمة خبرية". نسأله متى اعتمدت المحطة هذه الاستراتيجية؟ يميّز أولاً ما بين أزمان خلت وزمن مواقع التواصل الراهن. يعود الى قطع الرؤوس الناجم عن غزو العراق، ليجزم بأنّ "بي بي سي" التزمت من حينها سياسة منع بثّ العنف. امتنعت المحطة عن عرض القتل الوحشي للصحافي الأميركي دانيال بيرل المفصول رأسه عن جسده في الـ2002، واكتفت من حوادث أيلول 2001 بعرض مشهد الطائرة تجتاح البرجين لضرورته الخبرية، رافضة سواه كالقفز من المرتفعات أملاً في نجاة. لن يتعظ بعض الإعلام العربي بسياسات أخلاقية تتبعها منابر كبرى، ولن يقتنع بأنّ حماسته الزائدة تشوّه ما تبقّى من عدل. تغيب عن مواكبة "بي بي سي" صور الجثث من مسافة قريبة، ولحظة الموت مهما تعددت أشكالها (احتراق طائرة، إصابة بطلق ناري...). وامتنعت المحطة أيضاً عن نشر صور "شارلي إيبدو" المتهمة بإهانة الدين. لا تقع وسائل إعلام غربية أخرى على الصرامة عينها، قد تتراخى بعض الشيء في الممارسة، لكنها حيال التعاطي مع الموت، لا فصام رهيباً يعتريها. بالأحداث كافة، يتخبّط العالم العربي، كأنه إزاء ضبابية هوجاء. همُّه مجاراة الاندفاع الشعبوي، حيث الجماهير الزاحفة خلف الهيجان.


fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard