أم كلثوم في الـ2015: بِيحصَل إيه هِنا؟

3 شباط 2015 | 18:52

المصدر: "النهار"

تحلُّ سنواتٌ أربعون على رحيل مَن أُطلِق عليها كوكب هذا الشرق. أم كلثوم، هالةٌ في العشق والرونق. التي صنعت لمصر عَظَمة وعظَّمتها شأناً، تحلُّ ذكراها كأنّها ما خَبَت. غابت "الستّ" جسداً والأجساد ماهيتها الفناء. الديمومة لحنجرةٍ توغّلت في الفرادة. لا تُرثى أم كلثوم في 3 شباط. ليس كونها صيرورةً، بل إنه الصوت الحيّ في المقهى والليل ووجدان الجيل. 40 سنة شهدت انحدار الفن من الجميل الى مشارف العدم. تتيح أم كلثوم في ذكرى وفاتها نقد الشرخ بين المجد والفقش. كانت الآه تُعدِّل أمزجة وتصنع في الدواخل حالات متصاعدة. أما اليوم فلا آه تُحرِّك إلا ما ندر، ولا أغنياتٍ تبلغ المسام فتُبعثر كلَّ دفين.

في استحضار أم كلثوم الى الـ2015

ستبدو أم كلثوم مذهولةً لو يحدث استحضارها الى الـ2015. كأنّ هذا ليس زمناً، والأرض أمست هفوة. ماذا لو أصغت لراديو السيارة حيث ازدحام الموجات واستفحال النشاز؟ وماذا لو ارتادت حفلاً؟ أي الأغنيات هناك وأي الجماهير؟ دوارٌ يصيبها بينما تجول في الهاوية. وقد تصطدم بطفرة الهواة في ساحات العاطلين عن العمل. كان الفنان في زمنها أشبه بسيزيف والصخرة. المشقّات كثيرة والوصول قليل. لن تُصدِّق اليوم أنّ الدولار يصنع فناناً، والتلفزيون أيضاً. الأمس مراحل، أما الآن فدفعةٌ واحدة. ستشاء لو تُكذِّب البصر. الغناء ملاذ مَن خذلته الحياة، والكلّ يُطالِب بفرصة. وقد تُشير لسائق سيارتها التمهُّل أمام طوابير تجمَّعت. "بيحصَل إيه هِنا؟"، تسأل مستغربةً التدافع. يترجّل السائق لاستطلاع الحال: "دول بقدِّموا على برنامج بيخرَّج فنانين. دول كلُّهُم بِتاع غُنا". ستقرّ الستّ بموهبته الفذّة في إلقاء النكتة وترميه ببسمة زائفة. "إيه الحكاية دي؟". لم يخبرها أنّ البرامج مواسم وكلّ موسمٍ يخرِّج دفعةً سُرعان ما تُنسى بغالبيتها. يُكمل السائق مشوار الستّ في التحوُّلات. هذا إعلانٌ لفنانةٍ من جسد، وهذا ترويج لحفلٍ في المطاعم الضيّقة. مِن حُسن الحظّ أنّ المشوار لا يتزامن عشية الأعياد الكبرى. لم نُرد لأم كلثوم أن تنهار فوراً. عيد العشّاق الآتي فاتَ الستّ في جولتها. 

أم كلثوم مُغلِقةً حسابَيْها عبر "انستاغرام" و"تويتر"!

نواجه الستّ بالمصير الرديء الذي بلغناه: حسابات الفنانين عبر "انستاغرام" و"تويتر" طافحة بدروس الأخلاق! إليكِ أحلام في حال استنفار. جبهاتها صواريخ، وتغريداتها تقذف الشرر. وعبر "فايسبوك"، ميريم كلينك تظنّ الفن غرائز. هذا يغنّي من وحي المؤخرة، وذاك يكرِّس رخص اللحن والكلمة. أما الفيديو كليبات، فيا للمصيبة! وقد تستفسر الستّ عن مفردات لا تفقهها: "تويتر"، "فايسبوك"، "انستاغرام"، وتراكم العدمية. "إزاي يعني كلّ دول في حِتَّة وحدة؟". وإن سُئلت رأياً في إنشاء حسابات مماثلة، لأجابت: "أرجوكم منيش عايزة". لماذا؟ لأنّ الفنان بات يُقوَّم بعدد المتابعين عبر السوشيال ميديا، وأسماء يُفتَرض أنّها تُغنّي تخوض اليوم حروباً هزيلة. "فايسبوك إيه وتويتر إيه لإنتَ جاي تقول عليه" ما دامت النماذج، في معظمها، تبعث على الخيبة.

أم كلثوم عائدةً الى ماضينا

يا سنة 2015 لا تليقين بالستّ ولو من قبيل التخيُّلات. أنتِ مَرْتبة، وأزمان الكِبار مَرْتبة مغايرة. تُستَحضر أم كلثوم أثراً لا يُشبه الوقت. نُعيدها الى ماضٍ مُنزَّه عن التوجُّس بالموبئات. والى حيث لا رياح تُعكِّر رقّة النسائم. لكلّ الأزمان شوائبها، لكنّ الراهن محض شوائب. قلّة تُبقي على الرِفعَة. ما نُحيي ذكراه في 3 شباط ليس الجسد. إنها حاجتنا الماسة للقيمة، وتوقنا الحار الى الأصل. لا قيم في زمن الفانز الغاضب. هدُّ مراجل فحسب.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

 

 

 

 

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard