رحيل المطوّر الأبرز للصناعة الحرفية

28 كانون الثاني 2015 | 16:25

المصدر: "النهار"

عن عمر ناهز الـ 83 عاماً، رحل المطوّر الأبرز للصناعة الحرفيّة الجزينية أو ما يُعرف بصناعة السكاكين الجزينية، سمير ألفرد الحداد الفنّان الذي أدخل تطويرات نوعيّة على هذه الصناعة المميزة وأعطاها هوية خاصة، بعد أن أكتشفها جدّه جبور الحداد عام 1770 من فكرة طريفة كانت وليدة تأمل الأخير لعصفور جميل كان موجوداً على ضفاف النهر الذي كان يقصده.

تاريخ هذه الصناعة

انطلقت هذه الصناعة مع جبور الحداد، واقتصرت في البدء على السيوف والخناجر وسكاكين الخصر والبنادق الحربية وغيرها، وبقي من هذه الصناعات القديمة عدد ضيئل أبرزها سيف مرصّع في متحف اسطنبول نقش عليه "قدّم الى عبد الحميد المعظّم صنع جبور الحداد – جزين – لبنان" .
انتقلت هذه الصناعة من الجدود الى الآباء ومن يدي حبيب جبور الحداد الى سعيد الحداد وأخيه الفرد اللذين عملا على تطويرها. وعرضت أوّل مجموعة لهما في معرض بيروت عام 1930، ثم في "معرض الشام " عام 1936، ونالا الجائزة الأولى عليها، فما كان من الرئيس سليمان فرنجية الاّ أن كرّمهما ومنحهما وسام الإستحقاق اللبناني، وأصدر طابع بريدي عام 1974 حمل رسم سعيد الحداد.

من الآباء الى الأبناء

بعد سعيد وألفرد الحداد أكمل المسيرة سمير وسهيل الحداد، وكانت هذه الصناعة أصبحت شائعة في جزين بعد أن تطوّرت المواد المستعملة في تصنيعها فضلا عن الأساليب، وهي صناعة يدويّة تدخل فيها قرون الماعز والغنم والجواميس التي كانت توضع على نار حامية لإعطائها شكلها المطلوب بعد تنقيّتها من الشوائب لتأخذ شكل قبضة سكين أو شوكة أو ملعقة ...الخ، وتطعّم بالنحاس ومعادن أخرى. تطوّرت هذه الصناعة في مرحلة لاحقة لتستعمل فيها قرون العاج والقبضات الذهبية، وتستبدل بعدها بالمواد البلاستيكية المميزة والستانليس ستيل.

هاجس التميّز
أدى انتشار هذه الصناعة في السوق الجزيني على مستوى واسع، الى خلق هاجس لدى سمير الحداد المعروف بسمير جبور نسبة الى جدّه جبور الحداد مخترع هذه الصناعة، وكان هاجسه الأوّل أن تتميز صناعة آل الحداد عن باقي الصناعات التي تغزو السوق الجزينية، فاستخدم حسّه الفنّي المرهف لإبتكار أشكال جديدة للعصفور فضلا عن أحجام متنوعة وألوان غريبة جعلت صناعة آل الحداد تتميز عن باقي الصناعات الحرفية في جزين.

فالصناعة الحرفية في أساسها تعتمد على انتاج شكل تقليدي للعصفور بلونين اثنين هما الأبيض العاجي والأسود، لكن مع الفنّان سمير الحداد تحوّل شكل العصفور الى تحفة فنيّة مميزة، ارتدت ألواناً خلابة من الأحمر القاني الى الأزرق الزمردي والأخضر والكحلي وغيرها من الألوان التي كان يبتكرها في محترفه حيث كان يقضي ساعات الليل والنهار في اختراع أشكال ومزج ألوان حتى يتوّصل الى النتيجة المرجوّة. واللافت أنّ سمير الحداد استطاع أن يبتكر مجموعة من الآلات التي كان يستخدمها في حفر شكل العصفور لم تكن متوافرة عند غيره من الحرفيين ولم يكن يعرضها للعلن خوفاً من سرقتها.
مع رحيل سمير الحداد، الذي لم تكرّمه أي جهة رسمية على إبداعه وابتكاراته، بل تحدثت أعماله عنه في مختلف أصقاع الأرض حيث كانت تُحمل تحفه هدايا الى ملوك ورؤساء العالم، يأفل عصر مهم في تاريخ الصناعة الحرفية الجزينية وتُسدل الستار على مرحلة ابداعات وابتكارات قد لا تتكرّر أقلّه في زمننا الحالي!

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard